يوسف حسن يكتب –
في قلب المشهد القائم، تدرك إيران أن الحرب لم تتوقف للحظة، بل انتقلت من الميدان العسكري إلى ساحات السياسة والإعلام والاقتصاد والذهن. ما يجري اليوم ليس استمراراً للوضع الراهن، بل انهيار قواعد الاشتباك القديمة، وولادة معادلة جديدة، عنوانها: “لا حل دون إيران، ولا عبور مجاناً”.
أولاً: كسر حلقة الضغط الأميركي
لعقود طويلة، كانت واشنطن تستخدم نموذج “الضغط-المفاوضات” كسلاح استراتيجي ضد إيران. لكن اليوم، ولأول مرة، تجد أمريكا نفسها محاصرة في تلك الحلقة نفسها. إيران تختبر الخيارات، تمارس الضغط، تذهب إلى المفاوضات حين ترى مصلحتها، ثم تعود لإعادة تصميم الضغط إذا لزم الأمر. هذا ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل تحول جوهري في ميزان القوى.
ثانياً: المهل تنفد، والميدان يتحدث
الحصار البحري الذي فرضه العدو، رغم كل الإجراءات النفسية والاستخبارية المصاحبة له، لم يحقق أهدافه. إيران منحت الدبلوماسية وقتها، وجرّبت القنوات السياسية، لكنها أعلنت بوضوح عبر بيان “قرارگاه خاتم الأنبياء” أن الوقت لم يعد مفتوحاً إلى ما لا نهاية. في غضون أيام أو أسابيع قليلة، إذا استمر إعاقة الملاحة، سيكون كسر الحصار بالقوة خياراً لا مفر منه.
ثالثاً: أمريكا تتردد.. والأسباب عميقة
التردد الأميركي في خوض جولة جديدة من الحرب ليس ضعفاً عارضاً، بل نتيجة مباشرة لحرب الأربعين يوماً: لا انهيار داخلي في إيران، لا تدمير للقوة الصاروخية، لا شلل للقيادة. الأمر الأكثر إيلاماً لواشنطن هو استهلاك جزء كبير من ذخيرتها الاستراتيجية، وكشف حقيقة قدرتها العسكرية أمام العالم، وخاصة أمام الصين. بكلمات أخرى، أثبتت طهران أن الجيش الأميركي، رغم حجمه، ليس مؤهلاً لحروب الجيل الجديد.
رابعاً: مضيق هرمز معادلة لا تُكسر عسكرياً
تحول مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى سلاح جغرافي سياسي بيد إيران. الإغلاق الفعلي للمضيق صار قاعدة، وأدرك الجميع – بما في ذلك الأميركيون – أن فتحه لن يتم دون اتفاق يضمن عائدات لإيران. هذا إنجاز استراتيجي لم يكن في حسابات العدو قبل الحرب ذات الاثني عشر يوماً.
خامساً: رسالة إسلام آباد وفهم جديد للعدو
مفاوضات إسلام آباد، من دون وجود أميركي، حملت رسالة واحدة: لا خلافات داخلية تعطل القرار في إيران. نظام صنع القرار قائم، والقيادة فاعلة، والتنسيق بين المؤسسات حاضر. هذه الرسالة، التي جاءت في توقيت حساس، صحّحت حسابات خاطئة كان العدو يراهن عليها.
ختاماً: إيران تنتظر اللحظة المناسبة
العمليات الاستباقية ليست مشكلة استراتيجية لإيران. ما يجري الآن هو اختبار دقيق للزمن المناسب؛ اللحظة التي يتحقق فيها أقصى تأثير ويُحرم العدو من زمام المبادرة. اليوم، إيران أقوى من أي وقت مضى: تخطيط جديد، أسلحة جديدة، وتكتيكات قتالية حديثة. حتى لو لم تبدأ الحرب اليوم، فهي قادمة خلال أشهر، لكن هذه المرة بشروط مختلفة تماماً.
إيران لا تنتظر نتيجة الحرب، بل تصنع قواعدها. والأيام القادمة ستكون حاسمة، ليس لأن العدو يخطط، بل لأن إيران ستفرض خياراتها على الطاولة، بالقلم أو بالرصاص. والميدان ينتظر.

اترك تعليقاً