عَبْدِالْحَافِظِ الرَّوَّاسِ يكتب :بَيْنَ الْأَصَالَةِ وَالْمُعَاصَرَةِ

 

 

 

تَقِفُ الْأُمَمُ الْيَوْمَ عَلَى مَفْرِقِ طُرُقٍ حَضَارِيٍّ حَاسِمٍ، حَيْثُ تَتَلَاطَمُ أَمْوَاجُ الْعَوْلَمَةِ الْجَارِفَةِ مَعَ صُخُورِ الْهُوِيَّاتِ الضَّارِبَةِ فِي عُمْقِ التَّارِيخِ. وَفِي هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُعَقَّدِ، يَبْرُزُ سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ يُؤَرِّقُ الْمُفَكِّرِينَ وَالْمُثَقَّفِينَ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعِيشَ عَصْرَنَا بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ تَدَفُّقٍ مَعْرِفِيٍّ وَتِقْنِيٍّ، دُونَ أَنْ نَفْقِدَ تِلْكَ الْجُذُورَ الَّتِي تَمْنَحُنَا كَيَانَنَا وَتُمَيِّزُنَا عَنْ غَيْرِنَا؟ إِنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ “الْأَصَالَةِ” وَ”الْمُعَاصَرَةِ” لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرَفٍ فِكْرِيٍّ، بَلْ هُوَ مَعْرَكَةُ وُجُودٍ تَقْرِرُ مَصِيرَ الشُّعُوبِ فِي عَالَمٍ لَا يَعْتَرِفُ إِلَّا بِالْأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ رُوحِ الْمَاضِي وَأَدَوَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ.

 

إِنَّ “الْأَصَالَةَ” فِي مَفْهُومِهَا الْعَمِيقِ لَا تَعْنِي الِانْكِفَاءَ عَلَى الْمَاضِي أَوْ تَقْدِيسَ الْمَوْرُوثِ بِعِلَّاتِهِ، بَلْ هِيَ اسْتِحْضَارُ الْقِيَمِ الْعُلْيَا وَالْمَبَادِئِ الرَّاسِخَةِ الَّتِي شَكَّلَتْ وِجْدَانَ الْأُمَّةِ. هِيَ تِلْكَ الرُّوحُ السَّاكِنَةُ فِي ثَنَايَا التُّغْرَاةِ، وَفِي بَلَاغَةِ اللُّغَةِ، وَفِي نُبْلِ الْأَخْلَاقِ. إِنَّهَا الْمَنْبِعُ الَّذِي نَسْتَمِدُّ مِنْهُ الثِّقَةَ بِالنَّفْسِ، وَهِيَ الدِّرْعُ الَّذِي يَقِينَا الذَّوَبَانَ فِي الْآخَرِ. لَكِنَّ الْأَصَالَةَ إِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى قَوْقَعَةٍ نَنْغَلِقُ فِيهَا، صَارَتْ قَيْدًا يَمْنَعُنَا مِنَ الْحَرَكَةِ، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى نَوْعٍ مِنَ “الْمَاضَوِيَّةِ” الَّتِي تَقْتَاتُ عَلَى الْأَمْجَادِ دُونَ صِنَاعَتِهَا.

 

فِي الْمُقَابِلِ، تَأْتِي “الْمُعَاصَرَةُ” لِتَفْرِضَ نَفْسَهَا كَضَرُورَةٍ لَا مَفَرَّ مِنْهَا. هِيَ لُغَةُ الْعِلْمِ، وَسُرْعَةُ الِاتِّصَالِ، وَمَنَاهِجُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَآلِيَّاتُ الْحُكْمِ الرَّشِيدِ. إِنَّ الْمُعَاصَرَةَ تَعْنِي الِانْخِرَاطَ فِي مَسِيرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، وَالِاسْتِفَادَةَ مِنْ ثَوْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لِتَحْسِينِ جَوْدَةِ الْحَيَاةِ. بَيْدَ أَنَّ الْمُعَاصَرَةَ إِذَا جُرِّدَتْ مِنْ مَعْنَاهَا الْقِيَمِيِّ، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى تَقْلِيدٍ أَعْمَى لِلنَّمُوذَجِ الْغَرْبِيِّ بِمَادِّيَّتِهِ الطَّاغِيَةِ، فَإِنَّهَا تُصْبِحُ “تَغْرِيبًا” يَمْسَخُ الشَّخْصِيَّةَ وَيَجْعَلُهَا تَابِعَةً لَا مُبْدِعَةً.

 

إِنَّ الْإِشْكَالِيَّةَ الْكُبْرَى الَّتِي نُوَاجِهُهَا الْيَوْمَ تَكْمُنُ فِي تِلْكَ الْفَجْوَةِ الْمُصْطَنَعَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. فَهَنَاكَ مَنْ يَرَى فِي كُلِّ مَا هُوَ قَدِيمٌ تَخَلُّفًا وَرَجْعِيَّةً، وَهَنَاكَ مَنْ يَرَى فِي كُلِّ مَا هُوَ حَدِيثٌ غَزْوًا فِكْرِيًّا وَتَهْدِيدًا لِلْمُقَدَّسِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْأَصَالَةَ وَالْمُعَاصَرَةَ لَيْسَتَا ضِدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، بَلْ هُمَا جَنَاحَا الطَّائِرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّحْلِيقُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. فَالْأَصَالَةُ بِلَا مُعَاصَرَةٍ هِيَ جُمُودٌ وَمَوْتٌ بَطِيءٌ، وَالْمُعَاصَرَةُ بِلَا أَصَالَةٍ هِيَ ضَيَاعٌ وَهَشَاشَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ.

 

لِنَنْظُرْ إِلَى التَّجَارِبِ النَّاجِحَةِ فِي الْعَالَمِ؛ نَجِدُ أَنَّ أُمَمًا مِثْلَ الْيَابَانِ وَأَلْمَانِيَا قَدْ حَقَّقَتْ مُعَادَلَةً صَعْبَةً. لَقَدْ حَافَظَتْ هَذِهِ الشُّعُوبُ عَلَى لُغَتِهَا، وَقِيَمِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتُرَاثِهَا الثَّقَافِيِّ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ تَصَدَّرَتْ قَائِمَةَ الدُّوَلِ فِي الِابْتِكَارِ التِّكْنُولُوجِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ. إِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي “الْكِيمُونُو” عَائِقًا أَمَامَ بِنَاءِ “الرُّوبُوتِ”، بَلْ كَانَ الِاعْتِزَازُ بِالْهُوِيَّةِ هُوَ الْوَقُودَ الْمُحَرِّكَ لِلْإِبْدَاعِ. وَهَذَا مَا نَحْتَاجُهُ فِي عَالَمِنَا الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ؛ نَحْتَاجُ إِلَى “أَصَالَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ” وَ”مُعَاصَرَةٍ مُؤَصَّلَةٍ”.

 

إِنَّ تَجْدِيدَ الْفِكْرِ الدِّينِيِّ وَالثَّقَافِيِّ يُعَدُّ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ. فَالْأَصَالَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ لِمُوَاجَهَةِ نَوَازِلِ الْعَصْرِ. لَا بَدَّ لَنَا أَنْ نُعِيدَ قِرَاءَةَ تُرَاثِنَا بِعُيُونٍ مُعَاصِرَةٍ، لِنَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْجَوَاهِرَ الَّتِي تَصْلُحُ لِبِنَاءِ الْحَاضِرِ، وَنَتْرُكَ مَا كَانَ مَرْهُونًا بِسِيَاقَاتٍ زَمَنِيَّةٍ وَلَّتْ. إِنَّ الِانْفِتَاحَ عَلَى الْآخَرِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ إِذَا كَانَ نَابِعًا مِنْ مَوْقِفِ النِّدِّيَّةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْمَبَادِئِ.

 

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَلْعَبُ التَّعْلِيمُ الدَّوْرَ الْأَحْسَمَ. فَالْمَنَاهِجُ التَّعْلِيمِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تُغَذِّيَ فِي النَّشْءِ حُبَّ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالِاعْتِزَازَ بِالتَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، مَعَ تَمْكِينِهِمْ مِنْ أَدَوَاتِ الْعَصْرِ مِنْ لُغَاتٍ حَيَّةٍ وَعُلُومٍ رَقْمِيَّةٍ. إِنَّنَا نُرِيدُ جِيلًا يَقْرَأُ “الْمُتَنَبِّيَ” بِإِعْجَابٍ، وَيُبَرْمِجُ “الْخَوَارِزْمِيَّاتِ” بَإِتْقَانٍ. جِيلًا يَعْرِفُ أَنَّ “ابْنَ خَلْدُونٍ” وَضَعَ أُسُسَ عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ، لَكِنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَهُ، بَلْ يُكْمِلُ الْمَسِيرَةَ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ.

 

عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَنَّ وَالْعِمَارَةَ وَالْأَدَبَ هِيَ الْمَيَادِينُ الْأَكْثَرُ تَجَلِّيًا لِهَذَا التَّمَازُجِ. إِنَّ الْبِنَاءَ الَّذِي يَحْمِلُ رُوحَ الزَّخْرَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِمَوَادَّ حَدِيثَةٍ وَتَصَامِيمَ ذَكِيَّةٍ، هُوَ تَجْسِيدٌ بَصَرِيٌّ لِلْأَصَالَةِ وَالْمُعَاصَرَةِ. وَالرِّوَايَةُ الَّتِي تَنْقُلُ هُمُومَ الْإِنْسَانِ الْعَرَبِيِّ بِتِقْنِيَّاتِ السَّرْدِ الْعَالَمِيِّ، هِيَ وَثِيقَةٌ حَضَارِيَّةٌ تُثْبِتُ أَنَّنَا جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ دُونَ أَنْ نَنْسَلِخَ مِنْ جُلُودِنَا.

 

لَكِنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ مَفْرُوشًا بِالْوُرُودِ، فَالتَّحَدِّيَاتُ جَسِيمَةٌ. فَهُنَاكَ ضَغْطُ الِاسْتِهْلَاكِ الْعَالَمِيِّ الَّذِي يُحَاوِلُ تَنْمِيطَ الْبَشَرِ وَجَعْلَهُمْ نُسَخًا مُتَشَابِهَةً. وَهُنَاكَ التَّطَرُّفُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَوْدَةَ بِنَا إِلَى عُصُورِ الظَّلَامِ بِحُجَّةِ الْحِفَاظِ عَلَى الدِّينِ. وَأَمَامَ هَذَيْنِ التَّيَّارَيْنِ، يَبْقَى “خَطُّ الِاعْتِدَالِ” هُوَ الْمَنْجَاةُ. هَذَا الْخَطُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى “الِانْتِقَائِيَّةِ الْوَاعِيَةِ”؛ فَنَأْخُذُ مِنَ الْعَصْرِ أَجْمَلَ مَا فِيهِ مِنَ الْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ، وَنَحْمِيهَا بِرُوحِ أَصَالَتِنَا الَّتِي تَحُضُّ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالْعَدْلِ وَالْعِلْمِ.

 

إِنَّ الْأَصَالَةَ لَيْسَتْ ثَوْبًا نَرْتَدِيهِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةُ قِيَمٍ تَنْعَكِسُ فِي سُلُوكِنَا الْيَوْمِيِّ. وَالْمُعَاصَرَةُ لَيْسَتْ شِعَارَاتٍ نُرَدِّدُهَا، بَلْ هِيَ مُمَارَسَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَنْعَكِسُ فِي دِقَّةِ مَوَاعِيدِنَا، وَإِتْقَانِ أَعْمَالِنَا، وَاحْتِرَامِنَا لِلنِّظَامِ وَالْقَانُونِ. فَمَتَى مَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَجْعَلَ مِنْ صِدْقِ الْعَرَبِيِّ وَمُرُوءَتِهِ مُحَرِّكًا لِإِتْقَانِ الْعَالِمِ وَتَفَوُّقِهِ، فَقَدْ وَضَعْنَا أَقْدَامَنَا عَلَى أَوَّلِ دَرَجَاتِ النَّهْضَةِ.

 

إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ لَا يَرْحَمُ الْمُتَرَدِّدِينَ. وَإِنَّ الْبَحْثَ عَنْ نُقْطَةِ الِارْتِكَازِ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالْمُتَحَوِّلِ هُوَ مَهَمَّةُ هَذَا الْجِيلِ. لَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِأَنْ نَتَصَالَحَ مَعَ ذَوَاتِنَا، وَنُدْرِكَ أَنَّ تُرَاثَنَا لَيْسَ عِبْئًا نَحْمِلُهُ، بَلْ هُوَ قَاعِدَةٌ نَنْطَلِقُ مِنْهَا. وَأَنَّ الْحَدَاثَةَ لَيْسَتْ غُولًا يَبْتَلِعُنَا، بَلْ هِيَ أُفُقٌ جَدِيدٌ نُسَاهِمُ فِي تَشْكِيلِهِ بِمَا نَمْلِكُهُ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ.

 

فِي الْخِتَامِ، إِنَّ التَّوَازُنَ بَيْنَ الْأَصَالَةِ وَالْمُعَاصَرَةِ هُوَ الْكِيمْيَاءُ الْحَضَارِيَّةُ الَّتِي تَمْنَحُ الْأُمَمَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِلِارْتِقَاءِ بِالْفِكْرِ لِيَكُونَ بِحَجْمِ التَّحَدِّي، وَلِلْعَمَلِ بِرُوحٍ تَجْمَعُ بَيْنَ خُشُوعِ السَّاجِدِ فِي مِحْرَابِ الْقِيَمِ، وَحَمَاسِ الْعَالِمِ فِي مَخْبَرِ الِابْتِكَارِ. فَلْنَحْمِلْ مَصَابِيحَ أَصَالَتِنَا لِنُنِيرَ بِهَا دُرُوبَ مُعَاصَرَتِنَا، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْقِمَّةُ هِيَ مَسْكَنُنَا، شَرِيطَةَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ الَّتِي نَقِفُ عَلَيْهَا هِيَ أَرْضُنَا، وَالتَّارِيخُ الَّذِي نَحْمِلُهُ هُوَ هُوِيَّتُنَا، لِنَصْنَعَ غَدًا يَلِيقُ بِأُمَّةٍ كَانَتْ، وَيَجِبُ أَنْ تَبْقَى، خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *