الْكَفِيفُ بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْحِرْمَانِ وَسِنْدَانِ التَّهْمِيشِ
بِقَلَمِ عَبْدِالْحَافِظِ الرَّوَّاسِ
لَيْسَتِ الْبَصِيرَةُ أَنْ تَرَى الْأَشْيَاءَ بِعَيْنِكَ، بَلْ أَنْ تُدْرِكَهَا بِقَلْبِكَ وَعَقْلِكَ؛ هَذِهِ الْمَقُولَةُ الَّتِي طَالَمَا تَرَدَّدَتْ عَلَى مَسَامِعِنَا، تَقِفُ الْيَوْمَ حَائِلًا بَيْنَ وَاقِعٍ مَرِيرٍ يَعِيشُهُ الْكَفِيفُ، وَبَيْنَ شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةٍ تُطْلِقُهَا الْمُجْتَمَعَاتُ دُونَ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَهَا إِلَى التَّنْفِيذِ. إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْكَفِيفِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَدِيثٍ عَنْ فِئَةٍ فَقَدَتْ حَاسَّةَ الْبَصَرِ، بَلْ هُوَ غَوْصٌ فِي عُمْقِ قَضِيَّةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَحُقُوقِيَّةٍ كُبْرَى، تَتَلَخَّصُ فِي كَوْنِ هَذَا الْإِنْسَانِ يَقْبَعُ بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْحِرْمَانِ مِنْ أَبْسَطِ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ، وَسِنْدَانِ التَّهْمِيشِ الْمُجْتَمَعِيِّ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ لَا بِعَيْنِ الشَّرَاكَةِ.
تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ مِنْ مِطْرَقَةِ الْحِرْمَانِ، حَيْثُ يَجِدُ الْكَفِيفُ نَفْسَهُ مُحَاصَرًا بِعَوَائِقَ لَا حَصْرَ لَهَا. هَذَا الْحِرْمَانُ لَيْسَ قَدَرِيًّا مَحْضًا، بَلْ هُوَ صِنَاعَةٌ بَشَرِيَّةٌ تَتَمَثَّلُ فِي غِيَابِ الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الْمُؤَهَّلَةِ. فَالشَّوَارِعُ لَيْسَتْ لَهُ، وَالْمَبَانِي لَمْ تُصَمَّمْ لِتَحْتَرِمَ وُجُودَهُ، وَالْمَوَاصَلَاتُ الْعَامَّةُ تُمَثِّلُ لَهُ رِحْلَةَ مَخَاطِرَ يَوْمِيَّةٍ. عِنْدَمَا يَمْشِي الْكَفِيفُ فِي طَرِيقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْمَسَارَاتِ الْبَارِزَةِ (طَرِيقِ بْرَايِل لِلْمَشْيِ)، فَإِنَّهُ لَا يَفْقِدُ الِاتِّجَاهَ فَحَسْبُ، بَلْ يَفْقِدُ أَمْنَهُ الشَّخْصِيَّ وَثِقَتَهُ فِي الْمَجَالِ الْعَامِّ. إِنَّ الْحِرْمَانَ الْمَادِّيَّ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ الْوَسَائِلَ التَّعْلِيمِيَّةَ؛ فَرَغْمَ التَّطَوُّرِ التِّكْنُولُوجِيِّ، لَا تَزَالُ الْكُتُبُ الْمَطْبُوعَةُ بِطَرِيقَةِ “بْرَايِل” نَادِرَةً وَمُكْلِفَةً، وَلَا تَزَالُ الْمَنَاهِجُ الدِّرَاسِيَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ بَعِيدَةً كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ مُوَاكَبَةِ احْتِيَاجَاتِ الْمَكْفُوفِينَ، مِمَّا يَجْعَلُ التَّحْصِيلَ الْعِلْمِيَّ لَدَيْهِمْ مَعْرَكَةً بَاسِلَةً يُخَوضُونَهَا بِمُفْرَدِهِمْ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، يَبْرُزُ سِنْدَانُ التَّهْمِيشِ كَعَائِقٍ نَفْسِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ أَشَدَّ فَتْكًا. إِنَّ التَّهْمِيشَ يَبْدَأُ مِنْ تِلْكَ النَّظْرَةِ النَّمَطِيَّةِ الَّتِي تَحْصُرُ الْكَفِيفَ فِي زَاوِيَةِ الْعَاجِزِ، أَوْ ذَلِكَ الَّذِي يَنْتَظِرُ “الْحَسَنَةَ” وَالْعَطْفَ. هَذِهِ النَّظْرَةُ تُلْغِي كَيَانَهُ كَمُوَاطِنٍ لَهُ حُقُوقٌ وَعَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ. فِي سُوقِ الْعَمَلِ، يَصْطَدِمُ الْكَفِيفُ بِجِدَارٍ صَلْبٍ مِنَ الرَّفْضِ غَيْرِ الْمُبَرَّرِ؛ فَالْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَمَلِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فَقْدَ الْبَصَرِ يَعْنِي فَقْدَ الْبَصِيرَةِ الْمِهْنِيَّةِ، مِمَّا يَحْرِمُ هَذِهِ الْفِئَةَ مِنْ فُرَصِ إِثْبَاتِ الذَّاتِ وَالْمُسَاهَمَةِ فِي بِنَاءِ الْوَطَنِ. إِنَّ التَّهْمِيشَ لَيْسَ فَقَطْ فِي عَدَمِ التَّوْظِيفِ، بَلْ فِي التَّهْمِيشِ الثَّقَافِيِّ وَالْإِعْلَامِيِّ أَيْضًا؛ حَيْثُ يُقَدَّمُ الْكَفِيفُ إِمَّا بَصُورَةِ الضَّحِيَّةِ الْمُسْتَكِينَةِ، أَوْ بَصُورَةِ “السُّوبَر مَان” الَّذِي يَفْعَلُ الْمُعْجِزَاتِ، وَكِلَا الصُّورَتَيْنِ تَفْصِلَانِهِ عَنْ وَاقِعِهِ الْإِنْسَانِيِّ الطَّبِيعِيِّ.
إِنَّ الْإِشْكَالِيَّةَ الْعَمِيقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَزَالُ يَتَعَامَلُ مَعَ الْكَفِيفِ وَفْقَ “مَنْطِقِ الرَّعَايَةِ” لَا “مَنْطِقِ الْحُقُوقِ”. فَالرَّعَايَةُ تَعْنِي تَقْدِيمَ فُضَالَةِ الْإِمْكَانِيَّاتِ مِنْ بَابِ الْمِنَّةِ، أَمَّا الْحُقُوقُ فَتَعْنِي تَهْيِئَةَ الْبِيئَةِ بِحَيْثُ يَتَسَاوَى الْجَمِيعُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَرَافِقِ وَالْفُرَصِ. عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ حُقُوقِ الْمَكْفُوفِينَ، فَنَحْنُ لَا نَطْلُبُ مُعْجِزَاتٍ، بَلْ نَطْلُبُ تَطْبِيقَ الِاتِّفَاقِيَّاتِ الدَّوْلِيَّةِ الَّتِي وَقَّعَتْ عَلَيْهَا الدُّوَلُ، وَالَّتِي تَنُصُّ عَلَى حَقِّهِمْ فِي النَّفَاذِ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ، وَحَقِّهِمْ فِي التَّنَقُّلِ الْحُرِّ، وَحَقِّهِمْ فِي التَّعْلِيمِ الدَّامِجِ.
إِنَّ الْفَجْوَةَ الرَّقْمِيَّةَ تُمَثِّلُ وَجْهًا جَدِيدًا مِنْ أَوْجُهِ الْحِرْمَانِ. فَرَغْمَ أَنَّ التِّكْنُولُوجِيَا وُجِدَتْ لِتَكُونَ جِسْرًا، إِلَّا أَنَّ عَدَمَ تَعْرِيبِ الْبَرَامِجِ النَّاطِقَةِ بِشَكْلٍ كَافٍ، وَعَدَمَ تَوافُقِ الْمَوَاقِعِ الْإِلِكْتَرُونِيَّةِ الْحُكُومِيَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَعَ أَنْظِمَةِ قَارِئَاتِ الشَّاشَةِ، يَجْعَلُ الْكَفِيفَ مَعْزُولًا عَنِ الْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ الَّذِي أَصْبَحَ جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْعَالَمِ الْحَقِيقِيِّ. كَيْفَ لِكَفِيفٍ أَنْ يُنْجِزَ مُعَامَلَةً بَنْكِيَّةً أَوْ حُكُومِيَّةً إِذَا كَانَ التَّطْبِيقُ لَا يَدْعَمُ الْخَاصِّيَّةَ الصَّوْتِيَّةَ؟ هُنَا تَتَجَلَّى مِطْرَقَةُ الْحِرْمَانِ التِّكْنُولُوجِيِّ الَّتِي تَعْزِلُهُ عَنْ عَصْرِ الرَّقْمَنَةِ.
وَعَلَى صَعِيدٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْأُسْرَةَ تَلْعَبُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَلَاذُ وَالدَّاعِمُ، أَوْ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنْ سِنْدَانِ التَّهْمِيشِ عَبْرَ الْحِمَايَةِ الزَّائِدَةِ الَّتِي تَقْتُلُ رُوحَ الْمُبَادَرَةِ لَدَى الطِّفْلِ الْكَفِيفِ. إِنَّ تَرْبِيَةَ الْكَفِيفِ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى النَّفْسِ هِيَ أَوَّلُ خَطْوَةٍ فِي كَسْرِ قُيُودِ التَّهْمِيشِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْأُسْرَةَ نَفْسَهَا تَحْتَاجُ إِلَى دَعْمٍ مِنَ الدَّوْلَةِ، وَإِلَى بَرَامِجَ تَوْعَوِيَّةٍ تُرْشِدُهَا إِلَى كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ هَذِهِ الْإِعَاقَةِ لَيْسَ كَمُصِيبَةٍ، بَلْ كَاخْتِلَافٍ يَتَطَلَّبُ أَدَوَاتٍ مُخْتَلِفَةً لِلنَّجَاحِ.
لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْسَى النَّمَاذَجَ الْمُضِيئَةَ الَّتِي كَسَرَتْ هَذِهِ الدَّائِرَةَ؛ مِنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ إِلَى طَهَ حُسَيْنٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبْدِعِينَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا أَنَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ لَا عَمَى الْبَصَرِ. لَكِنَّ هَذِهِ النَّمَاذَجَ يَجِبُ أَلَّا تُسْتَخْدَمَ كَذَرِيعَةٍ لِلْمُجْتَمَعِ لِيَقُولَ: “إِنَّ الْمُتَمَيِّزَ سَيَنْجَحُ رَغْمَ الظُّرُوفِ”. بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ دَافِعًا لِتَهْيِئَةِ الظُّرُوفِ لِكُلِّ كَفِيفٍ، حَتَّى لِمَنْ يَمْلِكُونَ قُدُرَاتٍ عَادِيَّةً، لِيَعِيشُوا حَيَاةً طَبِيعِيَّةً. فَالْمُجْتَمَعُ النَّاجِحُ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ فِئَاتِهِ، لَا الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنَ الْمُعَاقِ أَنْ يَكُونَ عَبْقَرِيًّا لِيَعْتَرِفَ بِحَقِّهِ فِي الْحَيَاةِ.
إِنَّ الْحَلَّ يَكْمُنُ فِي إِسْتْرَاتِيجِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ:
أَوَّلًا: الْمِحْوَرُ التَّشْرِيعِيُّ، مِنْ خِلَالِ سَنِّ قَوَانِينَ صَارِمَةٍ تُلْزِمُ الْمُؤَسَّسَاتِ بِتَوْظِيفِ الْمَكْفُوفِينَ وَتَهْيِئَةِ بِيئَةِ الْعَمَلِ لَهُمْ، مَعَ فَرْضِ عُقُوبَاتٍ عَلَى التَّمْيِيزِ ضِدَّهُمْ.
ثَانِيًا: الْمِحْوَرُ الْهَنْدَسِيُّ وَالتِّكْنُولُوجِيُّ، بِاعْتِمَادِ كُودِ الْبِنَاءِ الْخَاصِّ بِذَوِي الْإِعَاقَةِ الْبَصَرِيَّةِ فِي كُلِّ الْمَشَارِيعِ الْجَدِيدَةِ، وَتَعْرِيبِ وَتَوْفِيرِ التِّكْنُولُوجِيَا الْمُسَاعِدَةِ بِأَسْعَارٍ رَمْزِيَّةٍ.
ثَالِثًا: الْمِحْوَرُ الثَّقَافِيُّ، وَهُوَ الْأَصْعَبُ، إِذْ يَتَطَلَّبُ تَغْيِيرَ مَنْظُومَةِ الْقِيَمِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ عَبْرَ الْإِعْلَامِ وَالْمَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ، لِغَرْسِ قِيَمِ الْمُسَاوَاةِ وَتَقَبُّلِ الْآخَرِ.
إِنَّ الْكَفِيفَ لَا يُرِيدُ مِنْكُمْ دُمُوعًا، وَلَا يُرِيدُ خُطَبًا رَنَّانَةً فِي الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ لِلْعَصَا الْبَيْضَاءِ. إِنَّ مَا يَبْتَغِيهِ هُوَ أَنْ يَمْشِيَ فِي الشَّارِعِ دُونَ أَنْ يَتَعَثَّرَ بِحُفْرَةٍ أَوْ عَمُودٍ لَمْ يُحْسَبْ حِسَابُهُ، وَأَنْ يَدْخُلَ الْمَكْتَبَةَ فَيَجِدَ مَا يَقْرَؤُهُ، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ لِوَظِيفَةٍ فَيُقَيَّمَ بِنَاءً عَنْ كَفَاءَتِهِ لَا عَنْ عَيْنَيْهِ. إِنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْكَفِيفِ تَبْدَأُ عِنْدَمَا تَتَوَقَّفُ الْمِطْرَقَةُ عَنِ الضَّرْبِ، وَعِنْدَمَا يَتَحَطَّمُ السِّنْدَانُ بِيَدِ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَفِي الْخِتَامِ، إِنَّ مِقْيَاسَ حَضَارَةِ الْأُمَمِ لَيْسَ فِي شَاهِقَاتِ الِابْتِنَاءِ وَلَا فِي ضَخَامَةِ الثَّرَوَاتِ، بَلْ فِي كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِهَا مَعَ الْفِئَاتِ الْأَكْثَرِ ضَعْفًا وَتَهْمِيشًا. إِنَّ نَصْرَةَ الْكَفِيفِ لَيْسَتْ عَمَلًا خَيْرِيًّا نَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِ، بَلْ هِيَ وَاجِبٌ أَخْلَاقِيٌّ وَوَطَنِيٌّ، وَاخْتِبَارٌ حَقِيقِيٌّ لِإِنْسَانِيَّتِنَا. لِنَجْعَلَ مِنَ الْبَصِيرَةِ جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ الْفَاقِدُونَ لِلْبَصَرِ نَحْوَ آفَاقٍ مِنَ الْأَمَلِ وَالْعَمَلِ، وَلْنُوقِفْ نَزِيفَ الْحِرْمَانِ وَالتَّهْمِيشِ، لِيَكُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ مَكَانُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ، مَهْمَا غَابَتْ عَنْ عَيْنَيْهِ أَنْوَارُهَا. إنَّ الْكَفِيفَ إِذَا مَا أُعْطِيَ الْفُرْصَةَ، لَا يَرَى الْعَالَمَ بِأَلْوَانِهِ فَقَطْ، بَلْ يُلَوِّنُ الْعَالَمَ بِإِرَادَتِهِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ.

اترك تعليقاً