لغز المائة عام: حكاية “عُزير” الذي أحياه الله ليكون آية.. وكيف تحولت المعجزة إلى افتراء عند بني إسرائيل؟

كتبت سحر مهني

 

تزخر القصص الديني بوقائع تقف أمامها العقول مذهولة، لا لشيء إلا لأنها تعكس طلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها قوانين الطبيعة. ومن بين هذه القصص التي خلدها القرآن الكريم، تأتي قصة الرجل الصالح “عُزير”، الذي عاش تجربة الموت والبعث في الدنيا، ليكون شاهداً على إحياء الموتى، لكنها للأسف كانت مدخلاً لضلالة كبرى سقط فيها فريق من بني إسرائيل.

النكبة والشتات.. حكاية السقوط في بابل

بدأت القصة في واحدة من أحلك فترات بني إسرائيل، حين اجتاح الملك البابلي “بختنصر” بيت المقدس، فقتل وشرد وأحرق التوراة، واقتاد البقية أسرى إلى بابل. كان “عُزير” من بين هؤلاء الأسرى، ونشأ وهو يحمل في صدره الحكمة وحفظاً نادراً لما تبقى من شتات التوراة، حتى صار أحد القلائل الذين استودعهم الله هذا العلم بعد الأنبياء.

“أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟”

بعد سنوات طويلة، عاد عُزير إلى فلسطين، ليمر بقرية خاوية على عروشها، دمرها الخراب تماماً. وقف عُزير يتأمل الصمت المطبق والبيوت المهدمة، فخرج منه تساؤل استعظام لقدرة الله: “أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا”. لم يكن تساؤلاً شاكاً، بل كان تساؤل المحب الذي يتوق لرؤية تجليات القدرة.

المعجزة: نومٌ لمئة عام وطعامٌ لم يفسد

في تلك اللحظة، قرر الخالق أن يجعل من عُزير نفسه “الآية”. قبض الله روحه وهو بجانب حماره وطعامه (التين وعصير العنب والخبز). مرت مائة عام كاملة، تغيرت فيها ملامح الأرض، وماتت أجيال ولدت أجيال، وظل عُزير في مكانه.

حين بعثه الله، كان المشهد يفوق الوصف:

الطعام والشراب: ظل عصير العنب طازجاً والخبز ليناً كما هو (لم يتسنه)، في خرق واضح لقوانين التحلل.

الحمار: استحال عظاماً نخرة، ليرى عُزير بعينه كيف تُجمع العظام وتُكسى لحماً وتعود إليها الروح في لحظات.

“فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”

العودة الصادمة واختبار التوراة

عاد عُزير إلى مدينته شاباً كما كان (في الخمسين من عمره)، ليجد خادمته قد بلغت من العمر أرذله وفقدت بصرها. لم يصدقه أحد في البداية، فكيف يعود رجل فُقد منذ قرن؟ ولكن بعد أن دعا الله فرد للخادمة بصرها، وبعد أن قرأ عليهم التوراة غيباً دون خطأ واحد (وهو ما كان مستحيلاً وقتها لضياع النسخ)، أيقنوا أنه هو.

من المعجزة إلى الفتنة: “عُزير ابن الله”

بدلاً من أن يقودهم هذا الإعجاز إلى مزيد من الإيمان بوحدانية الله وقدرته، ضلت عقول فريق منهم. رأوا في عودته من الموت وحفظه للتوراة أمراً يتجاوز البشر، فرفعوه فوق مكانة البشرية وقالوا: “عُزير ابن الله”.

وهنا جاء الرد الحاسم من السماء في سورة التوبة، ليفند هذا الادعاء ويضعه في سياق “المضاهاة” لقول الذين كفروا من قبل، مؤكداً أن الله سبحانه وتعالى واحد أحد، لم يلد ولم يولد، وأن عُزير لم يكن إلا عبداً صالحاً أكرمه الله بمعجزة لتكون درساً للبشرية في البعث والنشور.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *