بقلم عبد الحافظ الرواس
حين يهلّ العيد، تتبدّل ملامح الأيام وتتلألأ النفوس بضياء الفرح، وتنبض القلوب بإيقاع البهجة. فالعيد ليس مجرد ثياب جديدة أو مظاهر احتفالية، بل هو حالة إنسانية يعيشها الإنسان بكل حواسه ومشاعره. وإذا كان البعض يظن أن الكفيف قد لا يعيش أجواء العيد كما يعيشها المبصرون، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فالكفيف يرى العيد ببصيرة قلبه، ويشعر ببهجته في أعماقه، ويستقبل أيامه بروح مفعمة بالسرور.
الكفيف حين يستقبل العيد لا ينتظر رؤية الزينة والألوان، بل يستمع إلى أصوات التكبيرات التي تملأ الفضاء، فيشعر أن العالم كله يحتفل. تكبيرات العيد التي تتردد في المساجد والبيوت تصل إلى قلبه كأنها رسائل نور، تذكّره بفضل الله ورحمته، وتغمره بسكينة خاصة. تلك الأصوات تحمل معه ذكريات الطفولة، حين كان ينهض مع أسرته في صباح العيد، يستعد للصلاة، ويشمّ رائحة القهوة والبخور التي تعبق في البيت.
وفي صباح العيد، ينهض الكفيف مبكرًا مثل غيره، يرتدي أجمل ما لديه من ملابس، ويستعد للذهاب إلى المسجد أو مصلى العيد. قد يستعين بأحد أفراد أسرته أو صديقٍ يقوده، لكن قلبه هو الذي يقوده قبل خطواته. وحين يقف بين المصلين ويصدح الإمام بالتكبير، يشعر الكفيف أنه جزء أصيل من هذا المشهد الإيماني العظيم، يرفع يديه بالدعاء مثل الجميع، ويشارك الناس تلك اللحظة الروحية التي تجمع القلوب على الفرح والشكر.
بعد الصلاة تبدأ زيارات العيد، وهنا يشرق عالم الكفيف ببهجة خاصة. فهو لا يرى الابتسامات، لكنه يسمعها في نبرات الأصوات. يسمع كلمات التهنئة الصادقة، ويشعر بحرارة المصافحة وصدق العناق. هذه التفاصيل الصغيرة بالنسبة للآخرين تشكّل عنده عالمًا كاملًا من الفرح. فالصوت الودود، والضحكة الصافية، ولمسة اليد المليئة بالمحبة، كلها تعادل عنده ألوان الزينة التي يراها المبصرون.
الكفيف في العيد لا يقف متفرجًا على الفرح، بل يشارك فيه بكل حيوية. يجلس في مجلس العيد مع أهله وأصدقائه وجيرانه، يبادلهم الأحاديث والذكريات، وربما يروي طرفة أو قصة تضفي على المجلس روح المرح. كثيرًا ما يكون حضوره في المجالس مصدر دفء وإنسانية، لأنه يتحدث من قلبه ويصغي باهتمام لمن حوله.
وفي البيوت، يعيش الكفيف فرحة خاصة حين يجتمع بأسرته وأبنائه. يوزّع العيدية على الأطفال، ويستمع إلى ضحكاتهم وهم يفرحون بالنقود الصغيرة. تلك اللحظة تمنحه شعورًا عميقًا بالعطاء والانتماء. فهو ليس شخصًا ينتظر الشفقة، بل إنسان قادر على إسعاد الآخرين ومشاركتهم أفراحهم.
أما أطفال الحي وأبناء الجيران، فهم غالبًا لا ينظرون إلى الكفيف بعين النقص، بل بعين الألفة والمحبة. يقتربون منه ليسلموا عليه ويأخذوا العيدية، وربما يجلسون بجانبه ليستمعوا إلى قصصه أو دعاباته. وفي تلك اللحظات يكتشف الجميع أن الفرح لا يحتاج إلى عينين تبصران، بل إلى قلب يعرف كيف يحب الحياة.
وقد يشارك الكفيف كذلك في الاحتفالات والمناسبات التي تقام في العيد؛ يحضر اللقاءات الاجتماعية، أو يزور الأقارب، أو يجلس في المجالس العامرة بالزوار. يشارك في الأحاديث والضحكات، ويستمتع بأصوات الأطفال والأقارب وهي تملأ المكان بالحيوية.
وربما يتساءل البعض: هل يشعر الكفيف ببهجة العيد مثل المبصرين؟ والجواب أن الكفيف قد يشعر بالعيد بطريقة أعمق أحيانًا. فالمبصر قد ينجذب إلى المظاهر الخارجية، بينما يعيش الكفيف تفاصيل العيد من خلال الإحساس الإنساني المباشر: صوت التكبير، دفء العائلة، صدق التهاني، ونقاء العلاقات. هذه الأشياء تشكّل جوهر العيد الحقيقي.
ومع ذلك، يبقى للمجتمع دور مهم في جعل العيد أكثر جمالًا في حياة الكفيف. حين يزوره الأصدقاء والأقارب، ويحرصون على إشراكه في المجالس والأنشطة، ويعاملونه كفرد طبيعي بينهم، فإنهم يمنحونه شعورًا عميقًا بالتقدير والانتماء. فالكفيف لا يريد سوى أن يكون حاضرًا بين الناس، يشاركهم أفراحهم كما يشاركونه إنسانيته.
إن العيد في حياة الكفيف ليس يومًا ناقصًا، بل مناسبة يكتشف فيها الإنسان أن البصيرة أوسع من البصر. فهناك من يرى بعينيه ولا يشعر بفرحة العيد، وهناك من فقد نعمة البصر لكنه يرى الدنيا بقلبه، ويعيش الفرح بكل صدق.
وهكذا يبقى العيد رسالة إنسانية جميلة، تذكّرنا بأن الفرح الحقيقي لا يُقاس بما نراه، بل بما نشعر به. والكفيف حين يحتفل بالعيد يثبت لنا أن نور القلب قد يكون أحيانًا أبهى من نور العيون، وأن البصيرة قادرة على أن تصنع عيدًا كاملًا في الروح، مليئًا بالمحبة والرضا والأمل.

اترك تعليقاً