الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ

 

بِقَلَمِ عَبْدِ الْحَافِظِ الرَّوَّاس

 

يَمْضِي الزَّمَنُ سَرِيعًا، وَتَتَوَالَى الْأَيَّامُ كَأَنَّهَا لَحَظَاتٌ عَابِرَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَاقِلَ لَا يَقِيسُ عُمْرَهُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي مَرَّتْ، بَلْ بِمَا خَتَمَ بِهِ أَعْمَالَهُ وَمَا تَرَكَهُ مِنْ أَثَرٍ طَيِّبٍ فِي حَيَاتِهِ. وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَعَانِي الَّتِي تَعَلَّمْنَاهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِالْبِدَايَاتِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا بِالْخَوَاتِيمِ؛ فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ بَدَأَ بِدَايَةً حَسَنَةً ثُمَّ فَتَرَ وَتَرَاجَعَ، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ تَأَخَّرَ فِي الْبِدَايَةِ لَكِنَّهُ أَحْسَنَ الْخِتَامَ فَكَانَ لَهُ الْقَبُولُ وَالرِّفْعَةُ.

 

وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ تَتَجَلَّى هَذِهِ الْحَقِيقَةُ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ؛ فَهَذَا الشَّهْرُ الْعَظِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ نَصُومُهَا أَوْ لَيَالٍ نَقْضِيهَا فِي الْعِبَادَةِ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ إِيمَانِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ تُهَذِّبُ النَّفْسَ وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ. وَمَعَ اقْتِرَابِ نِهَايَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، يَزْدَادُ حِرْصُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنْ يَكُونَ خِتَامُهُمْ فِيهِ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ، وَلِأَنَّ آخِرَ الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي يَرْسَخُ فِي الْمِيزَانِ.

 

لَقَدْ عَلَّمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدَةً عَظِيمَةً حِينَ قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعْنًى عَمِيقًا، وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَرَّ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَظَلَّ مُجْتَهِدًا حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ. فَرُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ يَخْتِمُ بِهِ الْإِنْسَانُ حَيَاتَهُ أَوْ أَيَّامَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا فِي رَفْعِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللهِ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ يُفْسِدُهُ التَّرَاخِي فِي النِّهَايَةِ.

 

وَمَنْ يَتَأَمَّلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَجِدُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ أَعْظَمَ لَيَالِيهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ النِّهَايَةَ هِيَ مَيْدَانُ السِّبَاقِ الْحَقِيقِيِّ. فَفِي هَذِهِ اللَّيَالِي لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ وَتُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ وَتُكْتَبُ فِيهَا الْأَقْدَارُ. وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ الْأُمَّةَ أَنَّ النِّهَايَةَ هِيَ لَحْظَةُ الْحَسْمِ.

 

وَلَنَا فِي حَيَاةِ النَّاسِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ تُؤَكِّدُ مَعْنَى الْعِبْرَةِ بِالْخَوَاتِيمِ. فَقَدْ نَجِدُ إِنْسَانًا بَدَأَ رَمَضَانَ بِنَشَاطٍ كَبِيرٍ، يُصَلِّي وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُكْثِرُ مِنَ الصَّدَقَاتِ، ثُمَّ إِذَا اقْتَرَبَتِ النِّهَايَةُ فَتَرَتْ هِمَّتُهُ وَانْشَغَلَ بِالدُّنْيَا وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعِيدِ، وَكَأَنَّ الشَّهْرَ قَدِ انْتَهَى قَبْلَ أَوَانِهِ. وَفِي الْمُقَابِلِ نَجِدُ إِنْسَانًا رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي بِدَايَاتِ الشَّهْرِ بِذَلِكَ النَّشَاطِ، لَكِنَّهُ مَا إِنْ دَخَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ قَلْبُهُ وَأَقْبَلَ عَلَى اللهِ بِصِدْقٍ، فَكَانَ خِتَامُ رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ بِدَايَةً جَدِيدَةً فِي حَيَاتِهِ.

 

وَمِنَ الْقِصَصِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أَحَدَ الصَّالِحِينَ كَانَ يَقُولُ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَوَّلُ الْعَمَلِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى آخِرِهِ». فَقَدْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْشَى مِنْ ضَعْفِ الْبِدَايَةِ. وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُمْ، فَيَزْدَادُونَ عِبَادَةً وَخُشُوعًا وَذِكْرًا؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةَ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْأَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ.

 

إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ يُشْبِهُ سِبَاقًا طَوِيلًا، فَالنَّاسُ فِيهِ كَالْمُتَسَابِقِينَ، مِنْهُمْ مَنْ تَعِبَ فِي الطَّرِيقِ وَتَوَقَّفَ قَبْلَ خَطِّ النِّهَايَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَبَرَ وَثَابَرَ حَتَّى بَلَغَ النِّهَايَةَ مَرْفُوعَ الرَّأْسِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْمَعَ مَا بَقِيَ مِنْ طَاقَتِهِ وَأَنْ يُضَاعِفَ جُهْدَهُ؛ لِأَنَّ اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةَ قَدْ تُعَوِّضُ مَا فَاتَ.

 

وَمِنْ جَمِيلِ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِنَّ الْفَلَاحَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ لِمَنْ بَدَأَ الطَّرِيقَ بِحَمَاسٍ فَقَطْ، بَلْ لِمَنْ وَصَلَ إِلَى النِّهَايَةِ بِثَبَاتٍ. فَكَمْ مِنْ طَالِبٍ بَدَأَ دِرَاسَتَهُ بِنَشَاطٍ ثُمَّ أَهْمَلَ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ، وَكَمْ مِنْ تَاجِرٍ بَدَأَ تِجَارَتَهُ بِقُوَّةٍ ثُمَّ خَسِرَ بِسَبَبِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ فِي مُعَامَلَاتِهِ. وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي الْعِبَادَةِ؛ فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْبِدَايَةِ، بَلْ بِثَبَاتِ النِّهَايَةِ.

 

وَفِي حَيَاةِ النَّاسِ أَمْثِلَةٌ مُلْهِمَةٌ كَثِيرَةٌ؛ فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ عَاشَ حَيَاةً بَسِيطَةً لَكِنَّهُ خَتَمَ أَيَّامَهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَ رَحِيلِهِ، فَصَارَ ذِكْرُهُ الطَّيِّبُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ بَعِيدًا عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ ثُمَّ تَابَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ تَوْبَةً صَادِقَةً، فَكَانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ سَبَبًا فِي نَجَاتِهِ وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِ.

 

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا اقْتَرَبَتْ نِهَايَةُ رَمَضَانَ يَقِفُ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةً صَادِقَةً، يَسْأَلُهَا: مَاذَا قَدَّمْتُ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟ وَمَاذَا بَقِيَ لِي مِنَ الْفُرَصِ؟ فَإِنْ وَجَدَ تَقْصِيرًا سَارَعَ إِلَى تَعْوِيضِهِ، وَإِنْ وَجَدَ خَيْرًا حَمِدَ اللهَ وَزَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وَلِأَنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ مَا زَالَتْ مَفْتُوحَةً.

 

إِنَّ خِتَامَ رَمَضَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِتَامًا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ هَذَا الشَّهْرِ، خِتَامًا تَمْلَؤُهُ الطَّاعَةُ وَالذِّكْرُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَخَاتِمَةً يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ بَعْدَهَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ بِقَلْبٍ أَنْقَى وَرُوحٍ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ. فَالْعِيدُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي الثِّيَابِ الْجَدِيدَةِ وَلَا فِي مَظَاهِرِ الْفَرَحِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا فِي الْقَلْبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ تَطَهَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَاسْتَنَارَ بِالْإِيمَانِ.

 

وَهَكَذَا تَبْقَى الْقَاعِدَةُ الْخَالِدَةُ تُضِيءُ طَرِيقَ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ: الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ. فَمَنْ أَحْسَنَ خِتَامَ عَمَلِهِ نَالَ الْقَبُولُ، وَمَنْ صَدَقَ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَ الْغَايَةَ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَجْمَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ الْأَخِيرَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا أَيَّامًا مَلِيئَةً بِالِاجْتِهَادِ وَالْإِخْلَاصِ، حَتَّى يُوَدِّعَ هَذَا الشَّهْرَ الْكَرِيمَ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ أَمَلَ الْقَبُولِ وَبِشَارَةَ الْمَغْفِرَةِ.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *