بقلم: د. ربيع رستم
المحام بالنقض
مدير المعهد الدولي للتحكيم والدراسات القانونية
دكتوراه في القانون، باحث في العلوم القانونية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة
لم تعد النزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية مجرد أحداث عابرة في نشرات الأخبار، بل أضحت اليوم زلزالاً قانونياً يضرب أساسات الاستقرار العقدي في التجارة الدولية. ففي ظل المواجهة العسكرية المتصاعدة وما تلاها من تهديدات مباشرة للملاحة في مضيق هرمز، يجد الفكر القانوني والقضائي العربي نفسه أمام تحدٍّ كبير لتحديد مصير الالتزامات التعاقدية التي عصفت بها رياح الحرب.
إن المشهد الحالي، الذي يتسم باستهداف السفن وتعطل الخطوط الملاحية، لا يمكن قراءته بمعزل عن قطاع التأمين الدولي الذي يمثل شريان الحياة للتجارة العالمية. فمع توالي الضربات، شهدنا انسحاباً جماعياً لشركات التأمين الكبرى من تغطية السفن في مناطق الصراع، أو فرض أقساط مخاطر حرب تعجيزية تخرج عن مألوف التعامل التجاري. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل نُكيف هذا الانهيار التأميني والتعطل الملاحي كقوة قاهرة تنهي الالتزام، أم كظرف طارئ يوجب تعديله؟
من الناحية الفقهية، يضعنا القانون المدني (سواء في مصر أو المغرب أو عموم القوانين العربية) أمام معيارين؛ الأول هو القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة، كأن يُغلق مضيق هرمز كلياً بقرار سيادي أو تُدمر المنشأة محل العقد، وهنا ينفسخ العقد بقوة القانون إعمالاً للمادة 165 من القانون المدني المصري والفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود المغربي. أما المعيار الثاني، فهو الظروف الطارئة التي لا تجعل التنفيذ مستحيلاً بل مرهقاً يهدد المدين بخسارة فادحة نتيجة غلاء الأسعار أو تكاليف الشحن، وهو ما يمنح القضاء سلطة التدخل لإعادة التوازن المالي للعقد وفق المادة 147/2 من القانون المدني المصري.
وبالنظر إلى آليات فض النزاعات الحديثة، يبرز دور التحكيم التجاري الدولي كأداة مرنة تتجاوز أحياناً جمود النصوص الوطنية. فالمحكم الدولي، مستنداً إلى أعراف التجارة الدولية واتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG)، يميل غالباً لتفعيل بند المشقة (Hardship) لإلزام الأطراف بإعادة التفاوض قبل إعلان الوفاة النهائية للعقد. وقد استقرت المبادئ التحكيمية العالمية، وكذا أحكام محكمة النقض المصرية (خاصة في سوابق حرب 1967)، على أن تعطل المرافئ العالمية بقرار حربي يُعد سبباً أجنبياً يبرئ ذمة المدين، طالما كان الحادث خارجاً عن إرادته وغير متوقع عند التعاقد.
ختاماً، فإننا أمام واقع دولي جديد يتطلب من الشركات والمستثمرين، بل ومن الفاعلين في الحقل القانوني، اليقظة في توثيق واقعة انعدام التأمين وتأثير الاضطرابات الجيوسياسية على المحل العقدي. فالحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها ليست مجرد صراع عسكري، بل هي متغير قانوني يمنح المتضررين سنداً مشروعاً للمطالبة بإنقاذ مراكزهم القانونية من انهيار محقق، سواء عبر القضاء الوطني أو منصات التحكيم الدولي.
قائمة المراجع والمصادر:
أولاً: التشريعات الوطنية:
القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 (المواد 147، 165).
ظهير الالتزامات والعقود المغربي (الفصلان 268، 269).
قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994، والقانون المغربي رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.
ثانياً: السوابق القضائية:
محكمة النقض المصرية: الطعن رقم 326 لسنة 43 قضائية (إغلاق قناة السويس كقوة قاهرة).
المجلس الأعلى المغربي (محكمة النقض): القرارات المتعلقة بتفسير الفصل 269 وقوة فعل السلطة.
محكمة التمييز بدبي: الطعن رقم 203 لسنة 2005 (التمييز بين الاستحالة والإرهاق المالي).
ثالثاً: الاتفاقيات والأعراف الدولية:
اتفاقية فيينا (1980) بشأن عقود البيع الدولي للبضائع (CISG)، المادة (79).
مبادئ اليونيدروا (UNIDROIT) المتعلقة بالعقود التجارية الدولية (نصوص المشقة Hardship).
غرفة التجارة الدولية بباريس (ICC): القواعد النموذجية لبنود القوة القاهرة والمشقة لعام 2020.
رابعاً: المراجع الفقهية:
د. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول (نظرية الالتزام).
د. مأمون الكزبري: نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي.
الدوريات العلمية المنشورة في كلية العلوم القانونية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة.
#قانون #التجارة_الدولية #التحكيم_التجاري #القوة_القاهرة #مضيق_هرمز #مصر #المغرب #د_ربيع_رستم

اترك تعليقاً