*أوروبا والشرق الأوسط: “سقوط الأقنعة” خلف هدير المحركات الأمريكية* 

 

 

*​بقلم: أحمد نصر – محام وخبير حقوقي*

 

​بينما تنشغل الماكينات الإعلامية في باريس ولندن بضخ عبارات “ضبط النفس” وتصدير قلقٍ دبلوماسي بائس حول مخاطر التصعيد في المنطقة، كانت المدرجات في قواعد “أكروتيري” البريطانية وقواعد الناتو في المتوسط تضج بحركة الطائرات الأمريكية. لم يعد الأمر مجرد تنسيق حليف مع حليفه، بل نحن أمام مشهد استراتيجي جديد عنوانه العريض: “أوروبا تخلع ثوب الوسيط لترتدي خوذة الجندي في معركة واشنطن ضد طهران”.

*​لعبة الترويكا: “آلية الزناد” كتمهيد للحرب*

​لا يمكن قراءة التحركات العسكرية الحالية بمعزل عن “الطعنة” الدبلوماسية التي وجهتها الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) للاتفاق النووي. إن تفعيل “آلية الزناد” لم يكن مجرد إجراء قانوني فني، بل كان قراراً سياسياً بإنهاء عصر “الاحتواء” وبدء عصر “الحصار”. هذا المسار هو الذي مهد الطريق للانهيار الاقتصادي الإيراني، وصولاً إلى استثمار الاحتجاجات الداخلية في يناير الماضي، لتبدو الحرب الحالية وكأنها “الفصل الأخير” في خطة أعدت سلفاً في الغرف المغلقة بين بروكسل وواشنطن؛ خاصة وأن القوى الأوروبية لم تتردد في إعادة تفعيل هذه الآلية فور تعرض إيران لـ “حرب الإثني عشر يوماً”.

*​ماكرون و ترامب: دبلوماسية “الرسائل المسربة”*

​خلف شعارات “الاستقلال الاستراتيجي” التي يتغنى بها إيمانويل ماكرون، كشفت الرسائل النصية التي تعمد ترامب نشرها عن واقع مغاير تماماً. توسل ماكرون لترامب عبر ملفات هامشية كقضية “جرينلاند” ليثبت له “مساحات التوافق” العميقة، وعلى رأسها التوافق التام بشأن إيران، يعكس مدى الارتهان الأوروبي المفرط والمذل للسطوة الأمريكية. إرسال حاملة الطائرات “شارل ديجول” لشرق المتوسط ليس لحماية قواعد الناتو كما يُشاع، بل هو “صك ولاء” عسكري يقدمه الإليزيه لإدارة ترامب، بعيداً عن الخطاب الإعلامي الموجه للاستهلاك المحلي.

*​الزحف نحو المواجهة: من برلين إلى أوتاوا*

​المشهد يكتمل مع “الاندفاعة” الألمانية تحت قيادة المستشار فردريش ميرز، الذي لم ينتظر طويلاً ليحجز مقعده في واشنطن، معلناً تأييد أهداف العدوان الأمريكي والإسرائيلي بما في ذلك “إسقاط النظام”. حتى كندا، التي بدأت علاقتها متأزمة بإدارة ترامب وانتقدت الحرب في بدايتها، سارعت للأمام لتلمح إلى إمكانية تدخلها العسكري، مما يثبت أن “الأطلسية” اليوم لا تقبل بغير الانصياع الكامل للقرار الأمريكي، متجاوزة أي خطاب حقوقي أو إنساني يحاول تجميل التبعية.

​ارتهان “القارة العجوز”: نهاية الوهم في العواصم العربية

​هذا الانخراط الأوروبي الفجّ يضع حداً لسنوات من “المناورة” الدبلوماسية التي حاولت فيها عواصم عربية عديدة المراهنة على أوروبا كـ “طرف ثالث” أو كقوة موازنة للجموح الأمريكي. اليوم، ومع تحول القواعد الأوروبية إلى منصات هجومية مباشرة وقيام جيوشها باعتراض الصواريخ الإيرانية دفاعاً عن إسرائيل، تسقط ورقة التوت عن مفهوم “الوسيط النزيه”. فالعرب الذين طالما استمعوا لمحاضرات بروكسل حول “الحل السياسي”، يجدون أنفسهم اليوم أمام قارة لا تملك من أمرها شيئاً سوى المصادقة العسكرية على خرائط واشنطن الجديدة، حتى لو كان ثمن ذلك تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.

*​الخلاصة: شريك خلف الستار*

​إن الادعاء الأوروبي بعدم الانخراط في الصراع سقط ميدانياً؛ فأعباء الحرب ومخاطرها أصبحت “مهمة أطلسية” شاملة. أوروبا اليوم لا تكتفي بالدفاع، بل تفتح ترسانتها وقواعدها لتكون المنطلق لضربات تهدف لتغيير وجه الإقليم. نحن لا نراقب “انزلاقاً” عفوياً نحو الحرب، بل نراقب “تنفيذاً” لمخطط كانت أوروبا أول من وضع أحجاره على رقعة الشطرنج منذ اللحظة التي قررت فيها خنق الاتفاق النووي قانونياً واقتصادياً.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *