كتب .. حسنى فاروق
في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات تعكس تحولًا لافتًا في مقاربة واشنطن تجاه إيران، ليس فقط على مستوى العمليات العسكرية، بل أيضًا فيما يتعلق بمستقبل السلطة داخل طهران.
تصريحات حملت بين سطورها رسائل مزدوجة.. تصعيد في الميدان، وانفتاح مشروط في السياسة.
وبين حديثه في البيت الأبيض، ولقائه مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ثم مقابلته مع موقع بوليتيكو، رسم ترامب ملامح مرحلة تبدو مفتوحة على احتمالات متباينة: حرب قد تطول لأسابيع، أو تسوية قد تنضج خلال أيام، وتغيير داخلي في إيران قد يعيد تشكيل المشهد بالكامل.
خلال لقائه الصحفيين في البيت الأبيض، أطلق ترامب تصريحًا أثار الكثير من الجدل، حين قال إن “شخصًا من الداخل قد يكون أكثر ملاءمة لإيران في المرحلة المقبلة”. لم يكن الحديث عابرًا، بل جاء في سياق تأكيده أن أسوأ سيناريو محتمل هو الإطاحة بالقيادة الحالية ليحل محلها “شخص بالسوء نفسه”.
هذا التصريح يعكس مقاربة براغماتية واضحة: واشنطن لا تبحث بالضرورة عن فراغ سياسي أو فوضى، بل عن بديل تعتبره “أفضل” من وجهة نظرها. ترامب شدد قائلًا: “نود أن نرى شخصًا أفضل في هذا المنصب”، في إشارة مباشرة إلى رأس السلطة في طهران، دون أن يسميه.
في جانب آخر من تصريحاته، قال ترامب إنه يعتقد أن إيران كانت تستعد لشن هجوم، مضيفًا: “أعتقد أنهم كانوا سيهاجمون أولًا، ولم أرد أن يحدث ذلك”. هذه العبارة تعكس تبريرًا واضحًا لأي تحرك عسكري أمريكي، باعتباره خطوة استباقية لمنع تصعيد أكبر.
الرئيس الأمريكي أشار إلى أن العمليات العسكرية “تسير بشكل جيد”، مؤكدًا أن إيران لم يعد لديها ما وصفه بحماية جوية فعالة أو منشآت رصد، بل ذهب إلى القول إن “كل شيء تقريبًا تم تدميره”.
هذه اللغة الحاسمة توحي بأن واشنطن ترى نفسها في موقع تفوق ميداني، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن المعركة لم تنته بعد.
في مقابلة مع موقع بوليتيكو، بدا ترامب أكثر وضوحًا بشأن البعد السياسي. فقد أكد أنه سيكون منفتحًا على التعامل مع حكومة إيرانية “معاد تشكيلها” إذا ما ظهرت.
وعندما سُئل عما إذا كان الوقت قد فات للتفكير في العمل مع شخص من حكومة جديدة، أجاب: “لا، لم يفت الأوان بعد”. وأضاف بنبرة لافتة: “لقد قُتل 49 من كبار القادة الإيرانيين… هناك قادة جدد يبرزون، وكثيرون يرغبون في تولي المنصب. بعضهم سيكونون أكفاء للغاية”.
هذا التصريح يكشف تصورًا أمريكيًا بأن بنية النظام الإيراني تمر بمرحلة إعادة ترتيب داخلية، وأن موازين القوى قد تتغير من الداخل، ما يفتح المجال أمام تفاهمات جديدة.
على المستوى العسكري، شدد ترامب على أن القدرة الإيرانية تتدهور بشكل مطرد، متوقعًا استمرار إطلاق الصواريخ “لبعض الوقت”، لكنه أشار إلى أن إيران بدأت تعاني من نقص في الذخيرة ومنصات الإطلاق، نتيجة الضربات المتواصلة.
في المقابل، أكد أن الولايات المتحدة تمتلك “كميات غير محدودة من الذخيرة والمعدات من الطبقة المتوسطة والعليا”، وأن شركات الدفاع تعمل بوتيرة متسارعة بموجب أوامر طارئة لتلبية الاحتياجات العسكرية.
في قراءة تحليلية للمشهد، أكد اللواء عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، أن ما يجري لم يعد مجرد مواجهة تقليدية، بل صراع يتسع نطاقه بشكل غير مسبوق، مع دخول عناصر جديدة على خط الأزمة.
يشير العمدة إلى أن شرارة التصعيد انطلقت بشكل واضح يوم العاشر من رمضان، حيث بدت الصورة في البداية قابلة للتغير. كان هناك تصور عام بأن ما يحدث قد يندرج ضمن جولة تصعيد محدودة، يمكن احتواؤها خلال أيام قليلة، كما جرت العادة في جولات سابقة.
لكن، ومع مرور اليومين الثاني والثالث، تغير المشهد جذريًا. تسارعت الأحداث بشكل لافت، وبدأت دائرة الصراع في الاتساع، ليس فقط جغرافيًا، بل سياسيًا وعسكريًا. وأصبحت التطورات تتلاحق بوتيرة أربكت حتى مراكز التحليل الاستراتيجي.
من أبرز التحولات التي وصفها العمدة بـ”النقطة الفارقة”، ما تردد حول اكتشاف عناصر تجسس إسرائيلية داخل أراضي بعض الدول الخليجية، من بينها قطر والسعودية والكويت، يُشتبه في تورطها في أعمال تخريبية وتفجيرات. هذه الوقائع إن ثبتت تفاصيلها تمثل انتقالًا خطيرًا للصراع إلى ساحات غير تقليدية.
كما أشار إلى التصريحات الصادرة عن المملكة العربية السعودية بشأن تعرض بعض المواقع النفطية، المرتبطة بشركة أرامكو، لهجمات يُعتقد أنها جاءت من اتجاه العراق. هذا التطور، وفقًا للعمدة، يضيف بعدًا جغرافيًا جديدًا للصراع، ويعزز فرضية تعدد مسارات الهجوم وتشابك الأطراف المنخرطة فيه.
يرى العمدة أن الأهداف الأولية للتصعيد كانت تتمحور حول ضرب مراكز الثقل والرموز القيادية، في إطار استراتيجية تستهدف إرباك النظام الإيراني أو الضغط عليه سياسيًا. غير أن ردود الفعل الإيرانية، خصوصًا في اليومين الثاني والثالث، جاءت أكثر حدة مما كان متوقعًا.
ويشير إلى أن استهداف بعض القواعد أو المصالح الأمريكية في المنطقة من جانب إيران أدى إلى تعميق هوة الخلاف، ودفع الصراع إلى مستوى أكثر خطورة. فبعد أن كان السيناريو المتوقع يتمثل في “ضربة لحفظ ماء الوجه” يعقبها تدخل وساطات إقليمية ودولية، أصبحت المواجهة مفتوحة على احتمالات أوسع.
في الأيام الأولى، كان التقدير السائد أن الأزمة لن تتجاوز سقف الجولات السابقة، التي امتدت لنحو 12 يومًا قبل أن تخمد بفعل الضغوط الدولية. غير أن الشواهد الحالية، بحسب العمدة، تشير إلى مسار مختلف تمامًا.
فالتصعيد لم يعد محصورًا بين طرفين رئيسيين، بل بدأت أطراف عربية تبدي ردود فعل واضحة تجاه ما يجري، كما امتدت الضربات إلى ساحات جديدة، من بينها لبنان، مع تردد أنباء عن وصول تداعيات إلى مناطق مثل قبرص واليونان.
هذا التمدد الجغرافي يخلق بيئة صراع أكثر تعقيدًا، ويصعب من مهمة احتوائه سريعًا.
لم تعد التداعيات مقتصرة على الميدان الإقليمي، إذ يؤكد العمدة أن الداخل الأمريكي بدأ يُظهر مؤشرات رفض أو تحفظ تجاه استمرار الانخراط في صراع مفتوح. ومع سقوط خسائر في الأرواح وتزايد المخاطر على القواعد والمصالح الأمريكية، تتصاعد الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الرئيس الأمريكي.
وفي هذا السياق، صدرت توجيهات لرعايا الولايات المتحدة في بعض المناطق بضرورة توخي الحذر، بل ومغادرة مواقع معينة أو الالتزام بإجراءات أمنية مشددة، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لحجم المخاطر.
على المستوى الدولي، يلفت العمدة إلى أن موقفي موسكو وبكين يتسمان بالحذر الشديد. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين اكتفى بتصريحات اعتبر فيها بعض الضربات ردًا على عناصر وصفها بالإرهابية، دون انخراط مباشر أو تصعيد لفظي كبير.
أما الصين، فقد عبّرت عن رفضها لأي تدخل خارجي في إيران، معتبرة ذلك أمرًا غير مقبول. غير أن هذه التصريحات، وفق العمدة، تبقى في الإطار الدبلوماسي، بينما الحسابات الفعلية أكثر تعقيدًا.
فالصين تُعد من أكثر الدول اعتمادًا على مصادر الطاقة الإيرانية، إلى جانب فنزويلا، وأي اضطراب في الإمدادات يشكل تهديدًا مباشرًا لاقتصادها. ومن ثم، فإن استقرار إيران لا يمثل مسألة سياسية فقط بالنسبة لبكين، بل قضية أمن طاقة بالدرجة الأولى.
يرى العمدة أن إيران تواجه لحظة فارقة، خاصة إذا لم يتمكن المجلس الانتقالي أو القيادة البديلة من إحكام السيطرة على الوضع الداخلي. فمهما بدت طهران قادرة على الرد، إلا أن قدراتها وفق وصفه قد تكون محدودة زمنيًا في ظل ضغوط اقتصادية وعسكرية متزايدة.
ويضيف أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى إنهاك الأطراف جميعًا، خاصة مع تأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع الأسعار، وتزايد المخاوف من اضطراب الملاحة في الممرات الحيوية.
اللافت في تقييم العمدة أن هذه هي المرة الأولى التي تبدو فيها سيناريوهات المستقبل غير واضحة بهذا الشكل. فكل ساعة تحمل متغيرًا جديدًا: دخول أطراف إضافية، تصاعد رأي عام داخلي في بعض الدول، تحركات دبلوماسية غير معلنة، وضغوط اقتصادية تتزايد حدتها.
هذا التشابك يجعل من الصعب رسم مسار محدد للأحداث. فهل تتجه الأمور نحو تسوية مؤقتة تفرضها الضغوط الدولية؟ أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة أطول من عدم الاستقرار؟
في ختام قراءة المشهد اكد اللواء عادل العمدة ان الوضع بالغ التعقيد، ويتجاوز كونه مواجهة عسكرية عابرة، إلى صراع متعدد الأبعاد تتداخل فيه السياسة بالطاقة، والميدان بالجغرافيا، والداخل بالخارج.
في ظل هذا المشهد المتقلب، تبقى التطورات مفتوحة على جميع الاحتمالات، حيث تتسارع الوقائع الميدانية بالتوازي مع تحركات سياسية لا تقل سخونة. التصريحات المتبادلة، والضربات المتلاحقة، والرسائل غير المباشرة بين العواصم الكبرى، كلها تعكس مرحلة إعادة تموضع إقليمي ودولي تتشكل ملامحها لحظة بلحظة. وبين حسابات القوة ومناورات السياسة، يظل المشهد قابلًا للتغير في أي وقت، مع ترقب واسع لما ستسفر عنه الساعات والأيام المقبلة.

اترك تعليقاً