عدنان مندريس: “شهيد الأذان” الذي دفع حياته ثمنًا لهوية الأمة

بقلم: سحر مهني

 

في الساعات الأولى من فجر يوم 17 سبتمبر 1961، لم يكن مجرد رجل يساق إلى منصة الإعدام في جزيرة “إمرالي” النائية؛ بل كان فصلاً كاملاً من تاريخ تركيا الحديثة يُكتب بالدم والدموع. عدنان مندريس، أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في تركيا، الرجل الذي تجرأ على كسر قيود الصمت الطويل، وأعاد لـ “الله أكبر” صداها في مآذن الأناضول.

بداية الحكاية: الفارس الذي ترجل عن “حزب الشعب”

وُلد مندريس في عائلة أرستقراطية عام 1899، لكن قلبه كان دائماً مع الفلاحين والبسطاء. بعد سنوات من هيمنة الحزب الواحد وسياسات التغريب الصارمة، أسس مندريس “الحزب الديمقراطي” عام 1946. وفي انتخابات 1950 التاريخية، حقق اكتساحاً زلزل أركان النخبة العسكرية والسياسية، رافعاً شعاراً واحداً: “كفى.. الكلمة للشعب”.

لماذا لُقب بـ “شهيد الأذان”؟

منذ عام 1932، فُرض على الأتراك رفع الأذان باللغة التركية، وغاب اللحن العربي الذي ألفته القلوب لقرون. لم يمضِ على تولي مندريس السلطة سوى أسبوعين فقط، حتى وفى بوعده الانتخابي الأبرز:

أصدر قراراً بإعادة الأذان باللغة العربية.

فتحت المساجد أبوابها لتعليم القرآن الكريم بعد سنوات من التضييق.

بدأ في بناء آلاف المساجد والمدارس الدينية (إمام خطيب).

كانت هذه الخطوات بمثابة “إعلان حرب” في نظر حراس العلمانية المتشددة، الذين اعتبروا العودة إلى الجذور خيانة لمبادئ الجمهورية.

المؤامرة: ليلة انقضاض “الجنرالات”

رغم النجاح الاقتصادي الباهر وتحويل تركيا إلى ورشة عمل كبرى، لم يغفر له الجيش تحالفه مع التيار الشعبي المحافظ. في 27 مايو 1960، قاد مجموعة من الضباط انقلاباً عسكرياً أطاح بمندريس وحكومته.

أُودع مندريس السجن، وتعرض لمحاكمة صورية في جزيرة “ياسي أدا”، حيث وُجهت إليه تهم غريبة تراوحت بين “خيانة الدستور” و”تبديد أموال الدولة”. كان الهدف الحقيقي هو إنهاء ظاهرة الرجل الذي “أيقظ الروح الإسلامية” في تركيا.

النهاية المأساوية والخلود

نُفذ حكم الإعدام بحق مندريس وهو في الـ 62 من عمره. رحل بجسده، لكنه ترك خلفه إرثاً لا يُمحى. اليوم، يقف ضريحه في إسطنبول كمعلم وطني، واعتذر البرلمان التركي رسمياً عن تلك الحقبة، راداً إليه اعتباره كبطل قومي.

“سيأتي يوم يُذكر فيه مندريس كشهيد ضحى بنفسه من أجل صلاة لا تنقطع وأذان لا يغيب.”

— من مذكرات أحد معاصريه.

لقد أثبت التاريخ أن حبل المشنقة لم يقطع صوت الأذان، بل جعل اسم عدنان مندريس يتردد مع كل تكبيرة تُرفع في سماء تركيا حتى يومنا هذا.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *