احمد نصر يكتب :تعدد التجليات والذات واحدة.. قراءة في فلسفة التنوع عند فارس الكلمة

 

 

​من العسير على المتأمل في تاريخ الإبداع العربي أن يدرك، للوهلة الأولى، أن اليد التي خطت تضرع الشيخ سيد النقشبندي في مناجاته الروحية “مولاي إني ببابك”، هي ذاتها التي صاغت عتاب أم كلثوم الموجع في “لسه فاكر”، وهي نفسها التي غازلت براءة الفلكلور في “يا أبو زعيزع” بصوت سيد مكاوي.

​إننا أمام ظاهرة إبداعية تتجاوز مجرد “التأليف”، لتصل إلى مرتبة “الحلول” في الحالة الشعورية؛ إنه الشاعر عبد الفتاح مصطفى، الذي طغت شهرة نصوصه على بريق اسمه، ليظل الروح الخفية المحركة لأعظم حناجر القرن العشرين.

​جدلية “البيئة” وصناعة الوجدان

​وُلد عبد الفتاح مصطفى عام 1924 في حي الجمالية العريق، حيث التماس المباشر مع نبض القاهرة التاريخية ومساجدها الكبرى كالأزهر والحسين. هذا التكوين المكاني لم يكن مجرد عنوان للسكن، بل كان “رحماً ثنائياً”:

​التجلي الإيماني: استمد جزالته من مكتبة والده العالم الأزهري، ومن عبق التواشيح والمناجاة التي تملأ أزقة الحسين.

​التجلي الشعبي: استلهمه من سير “الأميرة ذات الهمة” و”سيف بن ذي يزن” التي قرأها طفلاً، ليمزج بين فصحى التراث وعامية الشارع.

​فلسفة التنوع: حين يتحد “الأرضي” و”السماوي”

​تكمن عبقرية عبد الفتاح مصطفى في قدرته على الحفاظ على “وحدة الذات” رغم تباين الموضوعات. ففي شعره، تجد أن الحب العذري والوجد الوجداني ينهلان من نبع واحد من الصدق:

​في محراب التباريح: قدم للنقشبندي نحو 15 نشيداً لحنها بليغ حمدي، محولاً الابتهال من شكل تقليدي إلى ثورة موسيقية ووجدانية عميقة.

​في دراما التاريخ: صاغ كلمات فيلم “الشيماء” وشارة مسلسل “محمد رسول الله”، ليحول النص الديني إلى ملحمة درامية تخاطب العاطفة واليقين معاً.

​في شجن العاطفة: استطاع أن ينتزع من “كوكب الشرق” أجمل لحظات الضعف الإنساني والكبرياء في روائع مثل “لا يا حبيبي” و”أقولك إيه عن الشوق”.

​الفارس الذي اختفى خلف كلماته

​رغم أن رصيده تجاوز 1000 عمل فني، إلا أن عبد الفتاح مصطفى اختار أن يكون “سيد الظل”. لقد جسد في مسيرته فلسفة أن المبدع الحقيقي هو من يذوب في أثره؛ فبقي النص خالداً، وتوارت الذات خلف عظمة “الكلمة”.

​لقد كان بحق “فارساً من فرسان الكلمة شعراً ونثراً”، استطاع ببراعة نادرة أن يثبت أن تعدد “التجليات” الفنية لا ينفي أبداً وحدة “الذات” المبدعة التي سكنت كل تلك الأصوات.

​”إن عبد الفتاح مصطفى لم يكتب للناس، بل كتب للروح في كل أحوالها؛ في انكسارها الخاشع أمام الخالق، وفي كبريائها أمام المحبوب، وفي بساطتها أمام الحياة.”

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *