أزمة قرارات القيادات في المعاهد القومية… من المسؤول عن إهدار المال العام؟

حسام حفني

في واحدة من أخطر الأزمات الإدارية التي تمس منظومة التعليم داخل المعاهد القومية، تتكشف وقائع تطرح تساؤلات جوهرية حول شرعية شغل المناصب القيادية، وحول مصير المال العام، وحول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص وسيادة القانون.

قرارات بلا مسابقات… وتهنئات حُذفت

في عهد رئيس المعاهد القومية السابق، صدرت حركة تعيينات لمديرين ووكلاء مدارس دون الإعلان عن مسابقات أو إجراءات تنافسية معلنة تضمن الأقدمية والكفاءة.
وسرعان ما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات التهنئة وعبارات الشكر للوزير لاختيار “الكفاءات”، قبل أن تُحذف هذه المنشورات عقب موجة انتقادات من مستحقين رأوا أنفسهم مستبعدين دون سند من القانون أو معايير شفافة.

عدد من العاملين لجأوا إلى القضاء، وأُقيمت دعاوى أمام القضاء الإداري طعنًا على قرار الوزير، وصدر تقرير من هيئة مفوضي الدولة يوصي ببطلان القرار المطعون عليه.

مفاجأة أمام القضاء

وأثناء نظر الدعاوى، قدمت هيئة قضايا الدولة ما يفيد بعدم وجود قرارات وزارية أصلًا، الأمر الذي أدى إلى إحالة النزاع إلى المحكمة العمالية باعتبار المسألة أقرب إلى نزاع عمل.

وهنا تبرز المفارقة الخطيرة:
إذا لم تكن هناك قرارات وزارية صحيحة، فعلى أي سند قانوني يشغل هؤلاء المناصب القيادية؟
وكيف صُرفت لهم بدلات ومخصصات المديرين والوكلاء المعينين رسميًا؟

بدلات بلا سند… ومسؤولية قانونية

المبدأ القانوني واضح:
البدلات والمخصصات المالية للوظائف القيادية تُصرف لمن يشغلها بسند قانوني صحيح. فإذا كان شغل المنصب قد تم دون قرار وزاري أو دون إجراء قانوني مكتمل، فإن صرف البدلات يكون محل مساءلة، وقد يندرج تحت شبهة إهدار المال العام.

وتثور هنا مسؤوليتان:

1. مسؤولية من شغل المنصب دون سند قانوني واضح.

2. مسؤولية من أجاز أو استمر في صرف البدلات والمستحقات المالية.

 

ومنذ يونيو 2024، استمرار صرف تلك المبالغ – إن ثبت غياب السند القانوني – يضع الإدارة الحالية أمام واجب قانوني وأخلاقي عاجل:
إما تصحيح الوضع فورًا، أو مواجهة شبهة الاشتراك في استمرار المخالفة.

محاولة تصحيح… لكن بشروط

المعاهد القومية أعلنت لاحقًا عن فتح مسابقة للقيادات، وخاضها عدد كبير من العاملين.
وهنا يكون التصحيح الحقيقي مرهونًا بشرطين أساسيين:

أن تقتصر الحركة الجديدة على من اجتازوا المسابقة فعلًا.

وإذا لم يكتمل العدد، يُستكمل ممن اجتازوا السمات والمعايير الموضوعية، دون القفز على مراحل أو استثناءات خاصة.

فالمبدأ القضائي المستقر يقول:
“ما بُني على باطل فهو باطل.”

وأي محاولة لإعادة إنتاج المشهد السابق تحت مسمى “تصحيح الأوضاع” مع إدخال غير المجتازين أو تجاوز المعايير، قد تفتح الباب لبطلان جديد ودعاوى جديدة.

كلمة أخيرة

العاملون في المعاهد القومية ليسوا ضد أشخاص، بل مع القانون.
ليسوا ضد زملائهم، بل مع تكافؤ الفرص.
وليس الهدف التشهير، بل حماية مؤسسة تعليمية عريقة من شبهة الفوضى وإهدار المال العام.

اليوم الكرة في ملعب الإدارة الحالية:
إما تصحيح شفاف كامل،
أو استمرار أزمة ستظل تتسع قانونيًا وإعلاميًا.

فالتعليم لا يُدار بالمجاملات،
ولا تُصان مؤسساته إلا بسيادة القانون.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *