حسام حفني يكتب للفجر العربي :الغاء الحصانة حين تستقيم السياسة

حسام حفني يكتب :لصالح من تُثار “الهوجة البهائية” كل حين؟

 

في كل مرة يتجدد فيها الحديث عن الديانة البهائية في مصر، يتصاعد الجدل سريعًا، وتتسع دوائر النقاش بين مؤيد ومعارض، بين من يرى الأمر مسألة حرية اعتقاد، ومن يتعامل معه باعتباره قضية دينية وعقدية خالصة، وبين من يضعه في إطار قانوني وسياسي أوسع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع كل موجة جدل: لصالح من تُثار هذه “الهوجة”؟

الحقيقة أن الملف البهائي في مصر ليس جديدًا، بل يمتد لعقود، وتداخلت فيه اعتبارات دينية وقانونية واجتماعية. غير أن طبيعة العصر الرقمي جعلت أي واقعة فردية قابلة للتحول إلى قضية رأي عام خلال ساعات، مدفوعة بخوارزميات السوشيال ميديا التي تُكافئ الجدل وتضخّم الاستقطاب.

أول المستفيدين من إثارة الملف هم صُنّاع المحتوى الباحثون عن التفاعل. فالقضايا الدينية بطبيعتها حساسة، وتستفز المشاعر، وتدفع الجمهور إلى التعليق والمشاركة. وكلما ارتفعت حدة الخطاب، زاد الانتشار. وهكذا يتحول النقاش من معالجة هادئة لملف قانوني أو اجتماعي، إلى معركة كلامية مفتوحة.

هناك أيضًا من يوظف القضية لتعزيز خطاب ديني معيّن. إذ تُستدعى المسألة أحيانًا لإعادة التأكيد على ثوابت عقدية، أو للتحذير مما يُنظر إليه باعتباره انحرافًا عن السائد. وفي المقابل، يستخدمها آخرون للتشديد على مفهوم حرية الاعتقاد وحقوق المواطنة. بين هذين الخطابين، يتعمق الاستقطاب، ويضيع أحيانًا جوهر النقاش العقلاني.

سياسيًا، لا يمكن إغفال أن القضايا ذات الطابع الديني قد تُستخدم في بعض السياقات لتحريك الرأي العام أو توجيه أولوياته. فالمجتمعات التي تعاني من ضغوط اقتصادية أو اجتماعية تكون أكثر قابلية للانخراط في سجالات هووية، لأنها تمس الإحساس بالانتماء واليقين.

لكن هل يعني ذلك أن كل جدل حول البهائية مُدبّر أو مُوجّه؟ ليس بالضرورة. أحيانًا تكون البداية واقعة فردية عادية، ثم يتحول التضخيم الإعلامي إلى كرة ثلج. وهنا يظهر خلل أكبر: غياب المساحة الهادئة للحوار القانوني الرصين، والخلط بين ما هو ديني تعبّدي وما هو قانوني تنظيمي.

التمييز بين حرية المعتقد كحق إنساني، وبين الاعتراف القانوني بطائفة ما، وبين النقاش العقدي داخل الإطار الديني، هو مفتاح فهم الإشكال. حين تختلط هذه المستويات الثلاثة في خطاب واحد، تتولد الفوضى، وتُختزل القضية في شعارات حادة بدلًا من نقاش متوازن.

في النهاية، قد لا يكون هناك “مستفيد واحد” من الهوجة، لكن المؤكد أن المجتمع ككل لا يستفيد من الاستقطاب الحاد. ما نحتاجه ليس مزيدًا من الصخب، بل قدرًا أكبر من الوعي، والقدرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى معركة دائمة. فالقضايا الحساسة لا تُحل بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *