موائد الرحمن واحدة من أعمق صور التكافل الاجتماعي التي ارتبطت بالمجتمع المصري عبر قرون طويلة.  

 

كتب .. حسنى فاروق

موائد الرحمن ليست مجرد تقليد رمضاني عابر، بل هي واحدة من أعمق صور التكافل الاجتماعي التي ارتبطت بالمجتمع المصري عبر قرون طويلة.

فمن القصور الفاطمية إلى الأزقة الشعبية، ظل هذا الإرث حاضراً، يعكس روح الرحمة والتراحم التي تميز شهر رمضان.

في جذور التاريخ الإسلامي، ارتبط إطعام الصائمين بثقافة العطاء، ويعتقد بعض المؤرخين أن أول مائدة إفطار جماعية تعود إلى زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عندما أقام مائدة لوفد الطائف في المدينة.

 

لكن الشكل المعروف حالياً لموائد الرحمن ظهر لاحقاً، وتحديداً في مصر خلال العصور الإسلامية.

يرجع المؤرخون الشكل المنظم لموائد الرحمن إلى الدولة الفاطمية، حيث عرفت آنذاك باسم “دار الفطرة” أو “سماط الخليفة”.

 

في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله، كانت تُعد يومياً مئات القدور من الطعام داخل مطابخ القصر، وتُوزع على الفقراء والمحتاجين، فيما يجلس الخليفة وقت الإفطار في شرفة قصره يستمع إلى تلاوة القرآن ومجالس الذكر.

 

كانت الموائد تُقام في البداية داخل المساجد، ثم امتدت إلى مناطق عامة في مدينة الفسطاط، وعلى نفقة الدولة، بحضور كبار رجال الحكم من قضاة وأمراء ووزراء.

حملت موائد الرحمن في بداياتها اسم “دار الفطرة”، وهي مؤسسة كانت مسؤولة عن إعداد الطعام والحلوى الرمضانية، مثل الكنافة والقطايف، بكميات ضخمة توزع على عامة الناس.

 

كما كانت تقام “الأسمطة” الرسمية داخل القصور، خاصة في قاعة الذهب بالقصر الشرقي، في ليالي رمضان والمناسبات الكبرى كالمولد النبوي والأعياد.

 

ومع حلول اليوم الرابع من رمضان، كانت هذه الموائد تُقام يومياً حتى نهاية الشهر، بحضور كبار رجال الدولة، في مشهد يجمع بين الطابع الرسمي والعمل الخيري.

لم تتوقف المبادرات عند موائد الإفطار فقط، بل امتدت إلى عيد الفطر، حيث كان الواقفون والأمراء يخصصون أوقافاً لشراء الكعك والتمر والمكسرات وتوزيعها على الفقراء.

 

وكانت هذه الموائد تقدم وجبات متكاملة تشمل اللحم والأرز والعسل، في محاولة لإدخال البهجة على الأسر محدودة الدخل.

بعد فترات من التراجع، عادت موائد الرحمن للانتشار في القرن العشرين، هذه المرة برعاية مؤسسات رسمية ومجتمعية.

في لفتة إنسانية لافتة، شهد عام 1969 إقامة أول مائدة إفطار قبطية في حي شبرا بالقاهرة، حين نظم القمص صليب متى ساويرس مائدة جمعت المسلمين والمسيحيين في أجواء أخوية.

 

ومنذ ذلك الوقت، انتشرت موائد الرحمن في ميادين وشوارع مصر، لتتحول إلى رمز للوحدة الوطنية قبل أن تكون مجرد عمل خيري.

اليوم، تنتشر موائد الرحمن في كل أنحاء مصر، من الأحياء الشعبية إلى الميادين الكبرى، تستقبل الفقير وعابر السبيل والغني على حد سواء.

 

وبينما تغيرت الأزمنة، بقيت الرسالة واحدة مائدة تجمع القلوب قبل أن تجمع الأيدي، وتجسد المعنى الحقيقي لرمضان كمساحة للتراحم والتكافل الإنساني.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *