نفيسة البيضاء سيدة من زمن المماليك كتبت اسمها في قلب القاهرة

 

 

 

 

 

في أزقة القاهرة القديمة، حيث يمتزج صوت الأذان برائحة الشمع والتوابل، لا يزال اسم نفيسة البيضاء يتردد كحكاية حية بين الجدران العتيقة وذاكرة الناس، لم تكن مجرد امرأة جميلة مرت في صفحات التاريخ، بل كانت شخصية صنعت لنفسها مكانة استثنائية في زمن مضطرب، وتحولت من جارية غريبة إلى واحدة من أكثر نساء مصر نفوذا وثراء وتأثيرا.

 

من هي نفيسة البيضاء

 

جاءت نفيسة من بلاد الشركس أو الجورجيين في أواخر القرن الثامن عشر، ببشرة بيضاء لافتة وجمال أخاذ، لكن ما ميزها حقا لم يكن ملامحها فقط، بل ذكاؤها وثقافتها وقدرتها على فهم من حولها، أتقنت العربية والتركية، ويقال إنها تعلمت الفرنسية من التجار الأوروبيين الذين ترددوا على القاهرة، فجمعت بين الحضور الطاغي والعقل الراجح.

 

 

 

 

وصلت إلى مصر فاشتراها علي بك الكبير، الزعيم المملوكي الطموح الذي سعى إلى انتزاع استقلال مصر عن الدولة العثمانية. أعجب بها إلى حد كبير، فأعتقها وتزوجها، وبنى لها قصرا فخما يطل على بركة الأزبكية. ، وتحولت نفيسة إلى سيدة القصر وصاحبة كلمة مسموعة، وشاركت زوجها طموحه السياسي، تعيش معه حلم الاستقلال وتدير شؤونها بوعي وثقة. لكن الأحداث كانت أسرع من الأحلام.

 

 

 

 

في عام 1773 تكالبت المؤامرات على علي بك، وكان من بين خصومه محمد بك أبو الذهب ومراد بك. اشترط مراد بك على شركائه أن يتزوج نفيسة إذا نجحت خطتهم،قُتل علي بك في الشام، وانتقلت نفيسة بعد صدمة الفقد إلى مرحلة جديدة من حياتها، لتصبح زوجة مراد بك وتعرف منذ ذلك الوقت باسم نفيسة المرادية.

 

 

 

 

كان مراد بك معروفا بالشدة وفرض الضرائب الثقيلة، لكن نفيسة كانت وجها آخر داخل القصر. مالت إلى العطف ومساعدة الفقراء، وسعت إلى تخفيف وطأة قرارات زوجها قدر استطاعتها. أدارت ثروتها بمهارة، فامتلكت قصورا وعقارات وتجارة واسعة، وأصبحت من أغنى نساء عصرها، في منطقة باب زويلة داخل حي الغورية أدارت وكالتها الشهيرة التي حملت اسمها، والتي عرفت لاحقا باسم وكالة البيضا للشمع، وصارت مركزا تجاريا نابضا بالحركة.

 

 

 

 

لم تكتف بالثروة والنفوذ، بل أرادت أن يظل أثرها ممتدا بعد رحيلها، أنشأت سبيلا لسقي المارة وكتابا لتعليم الأطفال القراءة والكتابة والقرآن، وجعلت من الخير رسالة ثابتة في حياتها، بقي سبيلها قرب باب زويلة شاهدا على نزعتها الإنسانية، وعلى امرأة فهمت أن البقاء الحقيقي يكون في ما يقدمه الإنسان للناس.

 

 

 

 

ثم جاءت الحملة الفرنسية عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت. بعد معارك الجيزة والبحيرة انسحب مراد بك إلى الصعيد، بينما بقيت نفيسة في القاهرة. حافظت على علاقات متوازنة مع الفرنسيين، واستقبلت بعض قادتهم، وقيل إنها عالجت جرحاهم في قصرها. فرض عليها نابليون فدية مالية كبيرة، ومع ذلك ظل يعلن تقديره لها، في مشهد يعكس مكانتها حتى لدى خصوم الأمس.

 

 

 

 

بعد وفاة مراد بك بالطاعون عام 1801 لقبت بأم المماليك، إذ احتضنت أسرهم وسعت لحمايتهم في زمن الانكسار. تزوجت لاحقا من إسماعيل بك، واستمرت حياتها بين النفوذ والتحديات حتى تولى خورشيد باشا حكم مصر. اتهمها بالتآمر، وواجهته بثبات وكبرياء، مدافعة عن اسمها وتاريخها، اعتقلها ووضعها قيد الإقامة الجبرية، وتعرضت لمحنة قاسية أنهكتها.

 

 

 

 

رحلت نفيسة البيضاء عام 1816 في صمت، وغاب اليقين حول موضع قبرها، لكن حضورها لم يغب عن ذاكرة القاهرة، لا يزال سبيلها قائما، واسمها باق في الوكالة التي حملته، وحكايتها تتناقلها الألسن في الأزقة القديمة، قصة امرأة عبرت تقلبات السياسة والحب والمؤامرات، ونجحت رغم كل شيء في أن تترك أثرا إنسانيا وعمرانيا يؤكد أن القوة ليست دائما في السيف، بل أحيانا في العقل والقلب معا.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *