كتبت سحر مهني
مع استطلاع هلال شهر رمضان المبارك، تتحول شوارع مصر إلى لوحة فنية نابضة بالحياة، حيث تكتسي المحروسة حلة من النور والبهجة لا تجد لها مثيلاً في أي بقعة أخرى من العالم. فرمضان في مصر ليس مجرد شهر للصيام، بل هو “حالة إنسانية” واجتماعية فريدة، تمتزج فيها العبادة بالتقاليد المتوارثة عبر الأجيال، لتصنع مشهداً يجمع بين وقار المساجد وصخب الأسواق المبهج.
زينة الشوارع.. روح الجماعة في خيط وخرز
تبدأ مظاهر الاحتفال قبل قدوم الشهر بأيام، حيث يتسابق الأطفال والشباب في كل “حارة” وزقاق لتعليق الزينة الورقية والملونة التي تمتد بين الشرفات. وتظل “نجمة رمضان” و”الهلال” المعلقان في منتصف الشارع رمزاً للتكاتف الاجتماعي، حيث يجمع الجيران الأموال فيما بينهم لشراء أجمل الزينة، ليعلنوا للعالم أن رمضان قد حلّ ضيفاً عزيزاً على بيوتهم.
الفانوس.. أيقونة مصرية تخطت الزمن
لا يكتمل رمضان المصري بدون “الفانوس”. فمنذ العصر الفاطمي، ظل الفانوس هو البطل الشعبي للحتفال. وبين الفانوس “النحاسي” القديم المضاء بالشموع، والفوانيس “الخشبية” الحديثة، تكتظ أسواق “تحت الربع” و”السيدة زينب” بآلاف الأشكال والألوان. ولا يزال مشهد الأطفال وهم يطوفون بفوانيسهم مرددين أغنية “وحوي يا وحوي” هو المشهد الأكثر مبعثاً للبهجة في قلوب المصريين.
موائد الرحمن.. معجزة التكافل الاجتماعي
في كل شارع وميدان، تُنصب “موائد الرحمن”، وهي المظهر الأكثر دلالة على كرم المصريين. هنا، تذوب الفوارق الطبقية تماماً، حيث يجلس الغني بجانب الفقير، والمسافر بجانب المقيم، ليتشاركوا طعام الإفطار. ولا يقتصر الأمر على الموائد، بل تجد الشباب يقفون على الطرقات السريعة قبل أذان المغرب لتوزيع التمر والعصائر على المسافرين، في سباق محموم على فعل الخير.
المسحراتي و”ليالي السهر”
رغم تقدم التكنولوجيا، لا يزال صوت “طبلة” المسحراتي ونداؤه الشهير “إصحى يا نايم وحد الدايم” يوقظ في نفوس المصريين حنيناً خاصاً. وبعد صلاة التراويح التي تزدحم بها المساجد، تبدأ “حياة أخرى” في القاهرة والمدن الكبرى؛ حيث لا تنام الشوارع حتى أذان الفجر. تزدحم المقاهي الشعبية في “الحسين” و”خان الخليلي” بالرواد، وتنتشر رائحة البخور والحلويات الشرقية من “قطايف وكنافة”، في أجواء يمتزج فيها الذكر الديني بالأسمار الاجتماعية.
سهرات الحسين والجمالية.. عبق التاريخ
تظل منطقة “القاهرة التاريخية” هي القلب النابض لرمضان؛ فمن يصلي التراويح في “الأزهر الشريف” أو “سيدنا الحسين”، ويقضي ليلته في شوارع الجمالية والمعز، يشعر وكأنه سافر عبر الزمن. هناك، يختلط عبق التاريخ بروحانية الحاضر، لتصبح مصر في رمضان “قبلة” لكل من يبحث عن السكينة والفرح في آن واحد.
إن رمضان في مصر هو قصة عشق طويلة الأمد، عنوانها “اللمة” وصوت “الشيخ رفعت” وقت الإفطار، ونور الفوانيس الذي لا ينطفئ، ليبقى الصيام في مصر تجربة روحية واجتماعية لا تُنسى، وتؤكد دائماً أن “رمضان في مصر حاجة تانية”.

اترك تعليقاً