كتب محمد ابراهيم
يلتف الأطفال الناجون من الموت في قطاع غزة حول المرشدة التي تنشغل معهم بأنشطة دعم نفسي في اليوم الأول من انضمامهم إلى دار رعاية متخصصة في احتضان “الناجي الوحيد” من أفراد أسرته.
تُثقل ذاكرتهم مشاهد قاسية أخرجتهم من براثن الموت وحيدين بعدما أزهقت الصواريخ الإسرائيلية أرواح ذويهم، وتركتهم يعانون ويلات حرب طاحنة.
ويروي محمود (12 عاما) كيف خرج من خيمته في بداية الحرب ليحضر الخبز فعاد بلا عائلة. ويختصر في حديث للجزيرة نت تفاصيل مؤلمة عندما دوى انفجار كبير في المخيم الذي تقطنه أسرته بمدينة دير البلح وسط القطاع، ما دفعه إلى الركض سريعا نحو المكان، لكنّ المشهد الذي واجهه غيّر حياته بالكامل عندما وجد والديه وإخوته الثلاثة قد فارقوا الحياة، وبقي هو الناجي الوحيد.
رعاية متكاملة
عاش محمود أياما صعبة في أحد مخيمات الإيواء، قبل أن تحتضنه عائلة أخرى وتتكفل برعايته لعدة أشهر، ومع تدهور حالته النفسية، وصلت مناشدته إلى القائمين على مشروع رعاية “الناجي الوحيد”، ليتم لاحقا دمجه ضمن برامج الرعاية والتعليم، في محاولة لإعادة الاستقرار إلى حياته بعد فقدانه أسرته بالكامل.
وقال أحمد أبو زهري، مدير دار خديجة للأيتام، إن “الناجي الوحيد” يعد مشروعا نوعيا يُنفذ للمرة الأولى في قطاع غزة، ويستهدف الأطفال الأيتام الذين فقدوا كلا الوالدين خلال الحرب، في محاولة لتوفير بيئة آمنة ومتكاملة تراعي احتياجاتهم الإنسانية والنفسية والتعليمية.
وأوضح بأن المشروع يقوم على تقديم حزمة متكاملة من البرامج والخدمات داخل مكان واحد، تشمل الفصول التعليمية، ومطبخا مركزيا لتوفير الوجبات، ومكتبة للتثقيف، ومساحات للترفيه، إضافة إلى مرافق للمبيت والإقامة، وتفعيل مركز لتحفيظ القرآن الكريم ومصلى داخل الدار، بما يسهم في بناء شخصية الأطفال، وتعزيز استقرارهم النفسي والاجتماعي.
ويتمثل هدفه الأساسي -حسب أبو زهري- في نقل الأطفال الأيتام، خاصة فئة “الناجي الوحيد”، من البيئات المهمشة والخطرة التي تفتقر إلى مقومات الرعاية الكاملة، إلى أخرى أكثر أمانا وتنظيما واستقرارا، ضمن برامج يشرف عليها مختصون يمتلكون الخبرة والدراية في التعامل مع هذه الفئة الحساسة التي فقدت المعيل والراعي والمحيط الاجتماعي الأساسي.
مرحلة جديدة
وفي بداية السنة الثانية من الحرب، كانت حنين (10 أعوام) تقيم مع أسرتها في أحد مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، قبل أن تستهدف طائرات الاحتلال الحربية المخيم، مما أدى إلى استشهاد عدد من النازحين، بينهم والداها.
أُصيبت حنين بجروح متوسطة، وخضعت للعلاج لفترة قبل أن تنتقل للإقامة مع خالتها، حيث بقيت تعيش آثار الصدمة وفقدان العائلة. وبعدما وصلت معلومات عن حالتها إلى الفريق القائم على مشروع “الناجي الوحيد” تم تقييم احتياجاتها، ومن ثم دمجها ضمن قوائم المستفيدين، لتبدأ مرحلة جديدة من الرعاية والدعم النفسي والتعليمي، في محاولة لتخفيف آثار التجربة القاسية التي مرت بها.
كانت حنين تلهو بالألوان برفقة مثيلاتها ممن فقدن أسرهن عندما زارت الجزيرة نت مركز الرعاية المخصص لهن، وبدت مندمجة في الرسومات التي تعبّر عما يجول في خاطرها.
في الدار ذاتها التي تحتضن العشرات ممن نجوا وحدهم، يمكث يحيى (9 أعوام) الذي لم يكن يدرك أن الرحلة التي خرج فيها برفقة أسرته من مدينة خان يونس جنوب القطاع باتجاه المحافظة الوسطى ستكون الأخيرة لهم معا، وذلك بعدما أغارت الطائرات الحربية على الطريق العام خلال استقلالهم السيارة ما أدى إلى استشهاد أفراد عائلته الأربعة على الفور، بينما أُصيب هو بجروح خطيرة.
نُقل يحيى إلى مستشفى شهداء الأقصى لتلقي العلاج، وبعد تماثله للشفاء انتقل للعيش مع أبناء عمومته في أحد المخيمات، إلا أن ظروف النزوح الصعبة وسوء الأوضاع المعيشية حالت دون حصوله على الرعاية الكافية، وانقطع عن مدرسته لعدة أشهر. وحضر في اليوم الأول افتتاح دار رعاية الأيتام، في خطوة أعادت له نشاطه الذي تراجع منذ فقدانه لعائلته.

اترك تعليقاً