فينسنت فان جوخ الفنان الذي طارده الفقر والجنون ليصبح أيقونة الفن العالمي وبيعت لوحاته بملايين الدولارات

كتبت سحر مهني

 

تعد قصة حياة الفنان الهولندي فينسنت فان جوخ واحدة من أكثر القصص الإنسانية إثارة للشجن في تاريخ الإبداع البشري فهي ليست مجرد سيرة ذاتية لرسام موهوب بل هي ملحمة تراجيدية بطلها رجل عاش في الظلام ليبدع نورا لم يره العالم إلا بعد رحيله فقد قضى فان جوخ حياته يتخبط بين الفشل المهني والفقر المدقع والوحدة القاتلة في مفارقة تاريخية مذهلة جعلت من لوحاته التي لم يجد ثمن خبزه ليرسمها أغلى القطع الفنية التي يتهافت عليها أثرياء العالم في العصر الحديث حيث تجاوزت قيمة بعضها مئة مليون دولار في المزادات العالمية ليكون بذلك الفنان الذي مات جائعا ليطعم العالم بجمال ألوانه

بدأت رحلة فينسنت الشخصية في عام ألف وثمانمئة وثلاثة وخمسين في قرية هولندية صغيرة حيث نشأ في أسرة متدينة وكان يتسم منذ صغره بالهدوء والميل إلى العزلة ولم يكن الرسم خياره الأول فقد حاول العمل في تجارة الفنون لكنه فشل بسبب صراحته الحادة مع الزبائن ثم انتقل للعمل كمعلم وبعدها حاول سلك طريق الرهبنة والتبشير بين عمال المناجم في بلجيكا حيث عاش حياة الزهد والتقشف ومشاركة الفقراء آلامهم إلا أن الكنيسة فصلته بسبب إفراطه في ممارسة الطقوس الدينية بطريقة غريبة مما دفعه في سن السابعة والعشرين إلى توجيه كل طاقته المكبوتة نحو الرسم معتبرا إياه وسيلته الوحيدة للخلاص والارتباط بالعالم الذي لفظه

تميزت حياة فان جوخ الشخصية بالاضطراب العاطفي المستمر حيث فشل في جميع علاقاته الإنسانية وبقي شقيقه الأصغر ثيو هو الرابط الوحيد له بالحياة والداعم المادي والمعنوي الأول له ومن خلال رسائلهما الشهيرة التي بلغت المئات عرف العالم حجم المعاناة التي كان يعيشها فينسنت حيث كان يكتب لشقيقه عن شعوره بالضياع وحاجته الدائمة للمال لشراء القماش والألوان مؤثرا الفن على لقمة العيش وهو ما تسبب في تدهور حالته الصحية والنفسية وأدى إلى إصابته بنوبات صرع واكتئاب حاد وصلت ذروتها في الحادثة الشهيرة التي قام فيها بقطع جزء من أذنه بعد خلاف مع صديقه الفنان بول جوجان

في سنواته الأخيرة وتحديدا أثناء إقامته في مصحة سان ريمي النفسية أنتج فان جوخ أروع لوحاته التي تعكس صراعه مع الجنون والجمال في آن واحد مثل لوحة ليلة مرصعة بالنجوم التي رسمها من خلف قضبان نافذته حيث كانت ضربات ريشته القوية وألوانه المتفجرة تعبيرا عن روح تتمزق لكنها تأبى الانكسار وفي عام ألف وثمانمئة وتسعين انتهت هذه الرحلة المؤلمة بطلقة رصاص في حقول القمح بفرنسا قيل إنها كانت انتحارا وقيل إنها كانت حادثا ليرحل فينسنت وهو لا يملك شيئا تاركا وراءه إرثا فنيا لم يفهمه معاصروه ولم يقدروا قيمته التي جعلت اليوم من اسمه علامة تجارية عالمية ومصدرا لإلهام ملايين المبدعين حول كوكب الأرض

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *