حسام حفني
لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة مجرد محطة دبلوماسية عادية، ولا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي المتوتر الذي تمر به المنطقة، ولا عن الزيارة التي سبقتها إلى الرياض، في توقيت بالغ الحساسية. فالمشهد، كما تراه إسرائيل، يتجاوز المجاملات والبروتوكولات، ويدخل مباشرة في نطاق إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.
القلق الإسرائيلي لم يأتِ من فراغ. الصحف ومراكز الأبحاث في تل أبيب تعاملت مع التقارب المصري–التركي باعتباره مؤشرًا على تحوّل استراتيجي، لا سيما مع وجود دعم سعودي واضح، ما يفتح الباب أمام تشكيل محور إقليمي غير معلن، لكنه متماسك في المصالح والرؤية، وقد يكون قادرًا على تقييد هامش الحركة الإسرائيلية في ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها غزة.
اللافت في زيارة أردوغان إلى القاهرة لم يكن فقط عودته بعد سنوات من الفتور، بل طبيعة الرسائل التي خرجت من اللقاء، خاصة انعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي وتوقيع اتفاقيات متعددة المجالات. الأهم من ذلك، هو التوافق الواضح في الخطاب السياسي، خصوصًا فيما يتعلق بوقف العدوان على قطاع غزة، وإدانة التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسوريا، وهي نغمة نادرة التلاقي في السنوات الأخيرة.
إسرائيل، التي اعتادت اللعب على تناقضات الإقليم وخلافات عواصمه الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة. فحين تلتقي القاهرة وأنقرة، ومعهما الرياض، على حد أدنى من المصالح المشتركة، تصبح قدرة تل أبيب على فرض رؤيتها أو تمرير سياساتها أكثر تعقيدًا، خاصة في ملف المساعدات الإنسانية وترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
ولا يتوقف القلق الإسرائيلي عند السياسة فقط، بل يمتد إلى المجال العسكري. فالصناعات الدفاعية التركية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، باتت عنصر جذب لدول عديدة في المنطقة، باعتبارها بديلًا عمليًا للسلاح الغربي المقيّد بالشروط السياسية. هذا التحول يهدد التفوق النسبي الذي طالما تمتعت به إسرائيل، ويعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية بعيدًا عنها.
خبراء معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل يقرّون بأن ما يحدث ليس تحالفًا تقليديًا بقدر ما هو تنسيق مصالح يهدف إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وخلق هامش حركة إقليمي مستقل. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية من وجهة النظر الإسرائيلية: محور لا يقوم على التطبيع، بل على المصالح والأمن القومي العربي والإقليمي.
السؤال الذي يشغل تل أبيب اليوم ليس فقط إلى أين يصل هذا التقارب، بل هل ستنجح إسرائيل مجددًا في تفكيك هذا التفاهم كما فعلت سابقًا، أم أن ما يجري هذه المرة هو إعادة تموضع حقيقية ستفرض واقعًا جديدًا في الإقليم؟
الإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن “قعدة الكبار” هذه المرة لم تمر مرور الكرام.

اترك تعليقاً