بقلم: سحر مهني
يظل اسم الفنان محمود مختار محفوراً في ذاكرة الأمة المصرية ليس فقط كأعظم نحات أنجبته مصر في العصر الحديث بل كرمز وطني استطاع عبر تماثيله أن يربط بين عظمة الماضي وتطلعات المستقبل في وقت كانت فيه البلاد تبحث عن هويتها ومكانتها الدولية ولد مختار في إحدى قرى الدلتا عام ألف وثمانمئة وواحد وتسعين ونشأ على ضفاف النيل يراقب الطمي الذي شكل منه أولى قطعه الفنية قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويلتحق بمدرسة الفنون الجميلة في أولى سنوات تأسيسها ليكون واحداً من جيل الرواد الذين وضعوا حجر الأساس للفن المصري المعاصر
نهضة مصر من باريس إلى ميدان رمسيس
كانت المحطة الأبرز في حياة مختار هي سفره إلى باريس حيث صقل موهبته وتعرف على كبار الفنانين العالميين لكن قلبه ظل معلقاً بقضايا وطنه وفي غمرة ثورة ألف وتسعمئة وتسعة عشر ولدت فكرة تمثال نهضة مصر الذي يعد أعظم أعماله على الإطلاق حيث جسد فيه الفلاحة المصرية التي ترمز لمصر وهي تزيح البرقع عن وجهها وتستنهض تمثال أبي الهول الذي يرمز لتاريخ الأمة العريق وقد نجح مختار بذكائه الفني في دمج المدرسة الكلاسيكية الغربية بروح الفن الفرعوني القديم مستخدماً جرانيت أسوان الصلب ليعطي للتمثال شموخاً وبقاءً يتحدى الزمن
الفلاحة والزعيم جماليات مختار الخالدة
لم يكتف مختار بتصوير الرموز القومية الكبرى بل اتجهت عبقريته لتخليد تفاصيل الحياة اليومية للمصريين فظهرت تماثيله الشهيرة مثل الفلاحة التي تحمل الجرار وكاتمة الأسرار والرياح والخماسين حيث أضفى على تماثيل الفلاحات لمسة من النبل والوقار تعكس احترامه العميق للجذور المصرية كما كان له الفضل في تخليد ذكرى الزعيم سعد زغلول من خلال تمثاليه الشهيرين في القاهرة والإسكندرية واللذين يعدان من أروع ما صُنع من البرنز في العصر الحديث حيث يظهر فيهما الزعيم مخاطباً الجماهير في وقفة تعكس القوة والعزيمة والارتباط الوثيق بالشعب
متحف مختار رسالة فن تتحدى النسيان
رغم رحيله المبكر في عام ألف وتسعمئة وأربعة وثلاثين إلا أن إرثه ظل حياً ومؤثراً وقد تكللت جهود أصدقائه وتلاميذه بتأسيس متحف خاص يحمل اسمه في قلب القاهرة بمنطقة الجزيرة ليضم مجموعة فريدة من أعماله الأصلية وقوالب الجبس التي شكلها بيده ليكون المتحف مزاراً للأجيال المتعاقبة وشاهداً على أن الفن المصري لا يموت بل يتجدد باستمرار إن محمود مختار لم يكن مجرد نحات يتعامل مع الصخر بل كان فيلسوفاً يبحث عن الجمال في التفاصيل وشاعراً يكتب قصائد الصمود في الجرانيت والرخام مما جعله يستحق عن جدارة لقب رائد النحت المصري الحديث والملهم الأول لكل من جاء بعده في عالم التشكيل والجمال

اترك تعليقاً