طه حسين.. البصير الذي قاد العرب إلى عصر التنوير

طه حسين.. البصير الذي قاد العرب إلى عصر التنوير

بقلم: سحر مهني

في قرية صغيرة بمحافظة المنيا، وفي بيت متواضع، بدأت حكاية طفل فقد بصره في السادسة من عمره، لكنه لم يفقد البصيرة. طه حسين، الرجل الذي تحدى ظلام العين بنور العقل، لم يكن مجرد كاتب أو أكاديمي، بل كان ثورة شاملة هزت أركان الثقافة العربية، وأسست لمفهوم جديد للحرية والتعليم.

من دهاليز الأزهر إلى أنوار السوربون

بدأت رحلة طه حسين من “الكُتّاب” ثم الجامع الأزهر، حيث اصطدمت عقليته المتفتحة والمتسائلة بالقوالب الجامدة آنذاك. تمرده المبكر قاده ليكون أول المنتسبين للجامعة المصرية عام 1908، ومنها انطلق إلى فرنسا ليحصل على الدكتوراه من جامعة “السوربون”. هناك، لم يتعلم لغة جديدة فحسب، بل تعلم كيف يقرأ التاريخ والأدب بمنهج علمي نقدي لا يعرف الخطوط الحمراء.

“في الأدب الجاهلي”.. المعركة التي لم تهدأ

في عام 1926، أحدث طه حسين زلزالاً فكرياً بكتابه “في الأدب الجاهلي”. لم يكن الكتاب مجرد دراسة أدبية، بل كان دعوة لإعمال العقل والتشكيك المنهجي للوصول إلى الحقيقة. واجه بسببه عواصف من النقد والمحاكمات، لكنه ظل صامداً، مؤمناً بأن “الحرية هي الأصل”، وأن الفكر لا يُواجه إلا بالفكر.

التعليم كـ “ماء وهواء”

حين تولى طه حسين وزارة المعارف عام 1950، أطلق صيحته الشهيرة: “التعليم كالماء والهواء، حق لكل مواطن”. وبفضل إصراره، أقر مجانية التعليم الثانوي في مصر، فاتحاً أبواب المستقبل لملايين الفقراء الذين كان هو واحداً منهم يومًا ما. لقد آمن “العميد” بأن النهضة تبدأ من العقل، وأن العقل لا يتحرر إلا بالعلم.

الأيام.. سيرة الذات والوطن

تظل رواية “الأيام” هي العمل الأقرب لقلوب الملايين؛ حيث سطر فيها معاناته ونجاحاته بصدق مذهل. لم يكتب طه حسين عن نفسه فحسب، بل كتب عن الريف المصري، وعن الصراع بين الجهل والمعرفة، محولاً سيرته الذاتية إلى ملحمة إنسانية تُلهم كل من يواجه العقبات.

إرث لا يغيب

رحل طه حسين عام 1973، لكن أثره ظل نابتاً في كل مدرسة، وجامعة، وكتاب. واليوم، ونحن في عام 2026، لا يزال فكر طه حسين هو الملاذ لكل باحث عن التجديد والتنوير. إنه الرجل الذي أثبت للعالم أن الإعاقة الحقيقية ليست في فقدان البصر، بل في انغلاق الفكر والجمود خلف أسوار الماضي.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *