
بقلم : سحر مهني
يعتبر الفن التشكيلي المرآة الحقيقية التي تعكس تطور الفكر البشري عبر العصور فهو ليس مجرد ألوان وخطوط بل هو لغة بصرية صامتة تحكي قصة الإنسان منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا حيث نجد فجوة زمنية هائلة لكنها متصلة بوجدان لا ينقطع بين فنون الماضي وتوجهات الحاضر
الماضي عبق الأصالة وسحر التفاصيل
بدأ الفن التشكيلي في الماضي كحاجة إنسانية فطرية للتعبير عن الوجود فكانت رسومات الكهوف هي اللبنة الأولى التي وثق من خلالها الإنسان البدائي رحلات صيده وطقوسه ومع مرور الزمن تطورت المدارس الفنية الكلاسيكية التي ركزت على المحاكاة الدقيقة للطبيعة والجسد البشري حيث برع فنانو عصر النهضة مثل ليوناردو دا فينشي ومايكل أنجلو في تجسيد الواقع بدقة متناهية مستخدمين الألوان الزيتية والمنظور الهندسي الذي يعطي إيحاء بالعمق والواقعية
كان الفن في الماضي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمؤسسات الدينية والسياسية حيث كانت اللوحات والمنحوتات تخلد البطولات والقادة وتزين دور العبادة مما جعل العمل الفني يتسم بالرصانة والالتزام بقواعد صارمة في التكوين والنسب الجمالية التي لا تقبل الخروج عن المألوف
الحاضر ثورة التحرر واقتحام التكنولوجيا
أما في العصر الحديث فقد شهد الفن التشكيلي انقلابا جذريا على القواعد التقليدية حيث تحرر الفنان من قيود المحاكاة والواقعية لينطلق نحو التجريد والسريالية والتعبيرية فلم يعد الهدف هو نقل صورة الواقع كما تراها العين بل نقل المشاعر والأفكار كما يشعر بها القلب والعقل وباتت اللوحة ساحة للتجريب واستخدام خامات غير تقليدية مثل الرمال والقطع المعدنية وحتى النفايات المعاد تدويرها
ومع دخول الثورة الرقمية في القرن الحادي والعشرين ظهر الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي كأدوات جديدة في يد الفنان التشكيلي حيث انتقلت الريشة من القماش إلى الشاشة وأصبح بإمكان الفنان ابتكار عوالم افتراضية ثلاثية الأبعاد تتجاوز حدود الخيال مما أثار جدلا واسعا حول ماهية الفن وقيمته في ظل هيمنة الآلة
الجسر الممتد بين جيلين
بالرغم من الاختلاف الشاسع في الأدوات والأساليب بين الماضي والحاضر إلا أن الجوهر يبقى واحدا وهو البحث عن الجمال والمعنى فالفنان المعاصر لا يزال يستلهم من تراث الأجداد ويوظفه برؤية حديثة تدمج بين الأصالة والمعاصرة مما يخلق حالة من الحوار المستمر بين التاريخ والمستقبل ويجعل الفن التشكيلي كائنا حيا يتنفس برئة العصور المختلفة ليظل شاهدا أبديا على عظمة العقل البشري

اترك تعليقاً