كتبت سحر مهني
بين زرقة البحر الصافية وضجيج المسارح الذي لا يهدأ، وُلدت تجربة فنية لم تكن مجرد لوحات، بل كانت ثورة في تاريخ الفن التشكيلي المصري. نتحدث عن الفنان سيف وانلي (1906 – 1979)، الرائد الذي لم يكن مجرد رسام، بل كان “مايسترو” استطاع أن يحول الحركة واللحن إلى خطوط وألوان تنبض بالحياة.
البداية من “عروس المتوسط”
في قلب الإسكندرية، وفي كنف أسرة أرستقراطية، نشأ محمد سيف الدين وانلي وشقيقه الأصغر “أدهم”. لم يسلك سيف المسارات التقليدية، بل اختار أن يتبع شغفه، فالتحق بمرسم الفنان الإيطالي “أوتورينو بيكي”، وهناك بدأ يتشكل أسلوبه الذي جمع بين الانضباط الأكاديمي والتمرد الفني.
لغة “الحركة” في لوحات سيف وانلي
ما يميز سيف وانلي عن أقرانه هو قدرته الفائقة على تصوير الحركة. لقد كان مسحوراً بعالم المسرح، السيرك، وحفلات الباليه. عندما تنظر إلى إحدى لوحاته التي تصور “باليرينا”، لا تشعر بجمود الرسم، بل تسمع صدى الموسيقى وتشعر بانسيابية الخطوط التي تلاحق حركة الراقصة.
الأسلوب: اتسمت أعماله بالتبسيط، حيث استخدم مساحات لونية عريضة وخطوطاً قوية ومختصرة.
التنوع: انتقل في رحلته الفنية من الواقعية التأثيرية إلى التجريدية، وحتى ملامح من التكعيبية، لكنه حافظ دائماً على “الروح السكندرية”.
رحلة النوبة.. توثيق التاريخ بالريشة
من المحطات الفارقة في حياة سيف وانلي، تلك المهمة التي كلفتها به الدولة في الستينيات لتوثيق بلاد النوبة قبل غرقها تحت مياه السد العالي. سافر سيف مع شقيقه أدهم، وقدما مجموعة من أروع اللوحات التي سجلت العمارة النوبية، والأزياء، والحياة اليومية بأسلوب فني رفيع، ليتحول الفن هنا إلى وثيقة تاريخية لا تُقدر بثمن.
الشقيقان “سيف وأدهم”.. ثنائية لا تتكرر
لا يمكن ذكر سيف دون “أدهم”؛ فقد كانا جسداً واحداً في عالم الفن. أسسا معاً “مرسم وانلي” في الإسكندرية، الذي كان منارة فنية خرجت أجيالاً. وحتى بعد رحيل أدهم المفاجئ عام 1959، استمر سيف في العطاء، وظل وفياً لذكراه، بل إن لوحات سيف اللاحقة حملت مسحة من الشجن والحنين لتلك الشراكة الإنسانية والفنية الفريدة.
إرث يبقى للأجيال
رحل سيف وانلي عام 1979، تاركاً خلفه آلاف الأعمال الفنية الموزعة بين متاحف العالم، وأبرزها متحف سيف وأدهم وانلي بمجمع “مركز محمود سعيد للمتاحف” بالإسكندرية.
لم يكن سيف مجرد فنان عابر، بل كان الجسر الذي عبر عليه الفن المصري من المحلية إلى آفاق الحداثة العالمية، وظلت لوحاته حتى اليوم شاهدة على عصر ذهبي من الإبداع المصري، حيث كانت الريشة هي الأداة الأقوى للتعبير عن جمال الوجود وصخب الحياة.

اترك تعليقاً