أشرف حفني يكتب عن الغربة والحنين إلى مصر

الغربة ليست مجرد مسافة تفصل الإنسان عن أرضه، بل حالة شعورية معقدة، تبدأ بهدوء ثم تتسلل إلى القلب دون استئذان، حتى تصبح رفيقًا دائمًا. في البداية تظن أنك أقوى من الحنين، وأن الانشغال بالعمل والحياة الجديدة كفيل بإسكات الشوق، لكنك تكتشف مع الوقت أن الوطن لا يُنسى، وأن مصر تحديدًا لا تغيب، مهما حاولت أن تملأ الفراغ.
في الغربة تكسب أشياء كثيرة: خبرة، صبر، واعتمادًا أكبر على النفس، لكنك في المقابل تخسر جزءًا من روحك كان يتغذى على تفاصيل بسيطة لا تُقدَّر بثمن. تفتقد العفوية في الكلام، والضحكة الخارجة من القلب، ودفء العلاقات التي لا تحتاج إلى مواعيد مسبقة. تشتاق إلى الشوارع المزدحمة التي كنت تلعن زحامها، فإذا بها اليوم أجمل ما في الذاكرة، وإلى ضجيج يبدو مرهقًا حين تعيشه، لكنه يصبح موسيقى حنين حين تبتعد.
مصر في الغربة تتحول من وطن إلى حكاية، نحكيها لأنفسنا كلما اشتد الشوق. نراها في صور قديمة، في أغنية عابرة، في مشهد نيل يظهر فجأة على شاشة الهاتف، فنشعر بأن القلب عاد قبل الجسد. هناك، بعيدًا، تدرك أن مصر ليست فقط مكان الميلاد، بل هي الوعي الأول، واللغة التي تشكّلت بها أحلامنا، والمكان الذي تعلّمنا فيه معنى الانتماء حتى لو اختلفنا معه.
الحنين لمصر لا يرتبط فقط بالأماكن، بل بالناس. بالأم التي تودّعك بنظرة تخفي قلقها، بالأب الذي يوصيك أن تبقى بخير، بالأصدقاء الذين فرّقتهم الطرق لكن جمعتهم الذكريات. في الغربة، يصبح السؤال عنهم أكثر إلحاحًا من السؤال عن نفسك، ويصبح الاطمئنان عليهم نوعًا من الاطمئنان على الوطن كله.
ورغم قسوة الغربة، إلا أنها تكشف لك حقيقة الوطن. تجعلك تراه بوضوح أكبر، بعيوبه قبل مميزاته، لكنك تحبه كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. تحبه لأنك منه، ولأن جذورك ضاربة في ترابه، ولأنك مهما ابتعدت ستظل تنتمي إليه دون شروط أو حسابات.
قد ننجح في الغربة، وقد نحقق ما حلمنا به، لكن يبقى في القلب فراغ لا يملؤه سوى العودة. فمصر ليست محطة في العمر، بل هي الأصل. هي البيت الذي نغادره بحثًا عن أنفسنا، ثم نعود إليه لأننا وجدنا أنفسنا معلّقين به. ومع كل يوم يمر بعيدًا عنها، يتأكد اليقين: الغربة طريق، أما مصر فهي الوصول.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *