محمد هاني يكتب :الكويت وبعض دول الخليج..عندما يراجع التلميذ أستاذه في التاريخ!

في مشهدٍ سياسي يصلح لأن يكون مسرحية كوميدية من فصلٍ واحد، قررت بعض الأصوات في الخليج أن تعيد تقييم دور مصر في حماية المنطقة، وكأن التلميذ وقف فجأة أمام أستاذه ليقول له بثقة: “حضرتك فاهم التاريخ غلط!”

مصر، التي دفعت من دمها واقتصادها واستقرارها ثمنًا لحماية المنطقة العربية لعقود، جلست تستمع لهذا النقاش كما يستمع طبيبٌ لمريضٍ يشرح له كيف تُجرى الجراحة. لا غضب، لا انفعال، فقط دهشة خفيفة ممزوجة بابتسامة ساخرة تقول: “واضح إن الكتب اتبدلت في المكتبة.”

ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تحارب الإرهاب وتحمي حدودها وحدود غيرها، كانت بعض الدول مشغولة بحسابات أخرى: كم تصريحًا نصدر اليوم؟ وكم تغريدة نطلق؟ وهل يمكن أن نعيد كتابة التاريخ ببيانٍ رسمي؟

والأكثر طرافة أن البعض يتحدث وكأن الخليج يعيش في جزيرةٍ معزولة، لا تحيط بها تهديدات ولا تتربص بها أطماع، وكأن الجغرافيا يمكن تغييرها بقرارٍ دبلوماسي أو مؤتمرٍ صحفي. الحقيقة التي يعرفها الجميع — حتى من ينكرها — أن مصر ليست مجرد دولةٍ في الشرق الأوسط، بل هي خط الدفاع الأول حين تختلط الخرائط وتضيع البوصلة.

أما الكويت، التي تحاول بعض أصواتها ترديد نغمةٍ جديدة، فتبدو وكأنها تنسى أن المنطقة ليست ساحةً للتجارب السياسية، وأن الأمن لا يُدار بالتصريحات، بل بالتاريخ والمواقف والقدرة على الوقوف في اللحظة الصعبة.

السخرية الحقيقية أن مصر لا ترد كثيرًا، لأنها ببساطة لا تحتاج. فالدولة التي يعرف الجميع وزنها، لا تدخل في مسابقة إثبات الوجود، ولا تقف في طابور الاعتراف. مصر تعرف دورها، والتاريخ يعرف مصر، والجغرافيا لا تستطيع أن تنكر ما تراه كل يوم.

والمشهد يصبح أكثر كوميدية حين يتحدث البعض عن “دور بديل” أو “حماية جديدة”، وكأن الشرق الأوسط يمكن أن يعمل بنظام المناوبة: اليوم مصر، غدًا دولة أخرى، وبعد غدٍ ربما شركة أمن خاصة!

لكن الواقع أقل سخرية وأكثر وضوحًا: حين تضطرب المنطقة، يبحث الجميع عن القاهرة.

وحين تهدأ، يبدأ البعض في كتابة مقالات عن “إعادة تقييم الدور المصري”.

وهنا فقط تضحك السياسة… ويضحك التاريخ أكثر.

وفي النهاية، يمكن تلخيص المشهد كله في جملةٍ واحدة:

مصر لا تتغير… لكن ذاكرة البعض تحتاج إلى تحديث عاجل.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *