بقلم: سحر مهني
في قلب القاهرة، وتحديداً في حي العباسية، وُلد طفل ليجمع بين عالمين متناقضين؛ بيت جده “الشيخ” الذي يمثل التدين والالتزام، وصالون والدته الفنانة “روز اليوسف” الذي يضج بالفكر والفن والسياسة. من هذا المزيج الفريد، خرج إلينا إحسان عبد القدوس (1919 – 1990)، الكاتب الذي لم يكتفِ بنقل الواقع، بل أعاد صياغته بجرأة هزت أركان المجتمع.
أدب “الشبابيك المفتوحة”
لم يكن إحسان مجرد روائي، بل كان “جراحاً اجتماعيًا”. في وقت كان المجتمع يلفه التحفظ، فتح إحسان النوافذ على المسكوت عنه. ركز في كتاباته على الحرية الشخصية، واعتبر أن تحرر الوطن يبدأ من تحرر الفرد، وتحديداً المرأة.
من خلال روايات مثل “أنا حرة” و*”النظارة السوداء”*، لم يقدم إحسان قصص حب سطحية، بل قدم نماذج لنساء يبحثن عن ذواتهن بعيداً عن قيود التقاليد الجامدة. كان يرى أن الحب ليس خطيئة، بل هو المحرك الأساسي للوجود الإنساني.
السينما.. حينما يتحول الحبر إلى صور
لا يمكن ذكر إحسان عبد القدوس دون الحديث عن السينما المصرية. فهو صاحب الرقم القياسي في تحويل رواياته إلى أفلام، حيث وصل عدد أعماله التي شاشة السينما إلى أكثر من 49 فيلماً.
بصمته كانت واضحة في كلاسيكيات مثل:
لا أنام: التي صدمت الجمهور بجرأة طرحها.
في بيتنا رجل: التي مزجت بين النضال الوطني والبعد الإنساني.
الوسادة الخالية: التي جسدت آلام الحب الأول.
الصحافة والمواقف السياسية
بعيداً عن الرومانسية، كان إحسان “رجل دولة” من طراز فريد في عالم الصحافة. تولى رئاسة تحرير “روز اليوسف” و”أخبار اليوم”، ولم تخلُ حياته من المتاعب السياسية؛ فقد تعرض للاعتقال في عهود مختلفة بسبب مقالاته الجريئة، خاصة قصة “الأسلحة الفاسدة” الشهيرة التي مهدت لثورة يوليو.
“أنا لا أكتب لكي أسلّي الناس، بل أكتب لكي أوقظهم.” – إحسان عبد القدوس
الإرث الباقي
رحل إحسان عبد القدوس في يناير 1990، لكنه ترك خلفه أكثر من 60 كتاباً تُرجمت إلى لغات عدة. لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة ثقافية نجحت في تقريب المسافة بين الأدب الرفيع وبين القارئ العادي.
اليوم، ونحن نقرأ إحسان، نكتشف أن قضاياه ما زالت حية؛ فالبحث عن الحرية، والعدالة الاجتماعية، وفهم كنه النفس البشرية، هي رحلة لا تنتهي، تماماً كإبداع إحسان الذي لا يشيخ.

اترك تعليقاً