بِقَلَمِ الكاتب العماني: عَبْدِ الحَافِظِ الرَّوَّاس
عِنْدَمَا يَصْمُتُ الضَّجِيجُ حَوْلِي، وَتَنْزَوِي الشَّمْسُ خَلْفَ أُفُقِ النِّسْيَانِ، تَبْدَأُ رِحْلَتِي الحَقِيقِيَّةُ. لَيْسَتْ رِحْلَةً بِالأَقْدَامِ، بَلْ رِحْلَةً بِالفِكْرِ وَالوِجْدَانِ، أَمَامَ مِحْرَابِ الوَرَقَةِ البَيْضَاءِ، تِلْكَ المَسَاحَةِ الشَّاسِعَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُ أَنْ تُبْذَرَ فِيهَا حُرُوفِي لِتَنْبُتَ مَعَانِيَ وَحَيَاةً. الكِتَابَةُ، يَا سَادَةُ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَصِّ كَلِمَاتٍ أَوْ تَنْمِيقِ جُمَلٍ، بَلْ هِيَ نَزِيفٌ هَادِئٌ مِنَ الرُّوحِ، وَمُحَاوَلَةٌ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ العَالَمِ كَمَا نَرَاهُ، أَوْ كَمَا نَتَمَنَّاهُ أَنْ يَكُونَ.
إِنَّ الكَاتِبَ حِينَ يُمْسِكُ بِيَرَاعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ أَمَانَةَ الكَلِمَةِ. تِلْكَ الكَلِمَةُ الَّتِي قَدْ تَكُونُ بَلْسَمًا لِجُرْحٍ، أَوْ شُعْلَةً لِأَمَلٍ، أَوْ حَتَّى صَرْخَةً فِي وَجْهِ الظَّلَامِ. الكِتَابَةُ هِيَ مِرْآةُ النَّفْسِ، فَفِي كُلِّ سَطْرٍ أَخُطُّهُ، أَجِدُ شَظِيَّةً مِنْ شَظَايَا ذَاتِي، وَبَقَايَا مِنْ حُلُمٍ قَدِيمٍ، وَتَسَاؤُلَاتٍ لَا تَنْتَهِي عَنِ الوجُودِ وَالمَصِيرِ.
فِي هَذِهِ التَّأَمُّلَاتِ، أَجِدُنِي أَتَسَاءَلُ: لِمَاذَا نَكْتُبُ؟ هَلْ نَكْتُبُ لِنَهْرُبَ مِنَ الوَاقِعِ، أَمْ لِنُوَاجِهَهُ بِقُوَّةِ الحَرْفِ؟ لَعَلَّ الإِجَابَةَ تَكْمُنُ فِي تِلْكَ اللَّذَّةِ الغَامِضَةِ الَّتِي تَعْتَرِينَا حِينَ نُنْجِزُ نَصًّا يُعَبِّرُ عَمَّا يَعْجِزُ اللِّسَانُ عَنْ قَوْلِهِ. إِنَّ الكَلِمَةَ المَكْتُوبَةَ هِيَ خُلُودٌ مُؤَقَّتٌ، هِيَ بَصْمَةٌ نَتْرُكُهَا عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ، قَبْلَ أَنْ تَطْوِيَنَا صَفَحَاتُ الأَيَّامِ.
أَتَأَمَّلُ تِلْكَ المِحْبَرَةَ، فَأَرَى فِيهَا بَحْرًا مِنَ الأَسْرَارِ. كُلُّ قَطْرَةِ حِبْرٍ هِيَ مَشْرُوعُ فِكْرَةٍ، وَكُلُّ جَرَّةِ قَلَمٍ هِيَ مِيلَادُ مَعْنًى. وَلَكِنَّ الكِتَابَةَ أَيْضًا عَنَاءٌ، فَهِيَ مَخَاضٌ عَسِيرٌ لِوِلَادَةِ الفِكْرَةِ، وَمُعَانَاةٌ لِتَهْذِيبِ العَاطِفَةِ. إِنَّ الكَاتِبَ يَحْتَرِقُ لِيُضِيءَ لِلآخَرِينَ، وَيَتَأَلَّمُ لِيَصُوغَ مِنْ أَلَمِهِ نَغَمًا عذْبًا يُطْرِبُ القُلُوبَ.
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الكَاتِبُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِهِ! فَالصِّدْقُ هُوَ رُوحُ النَّصِّ، وَبِدُونِهِ تَكُونُ الكَلِمَاتُ كَأَجْسَادٍ بِلَا أَرْوَاحٍ، أَوْ كَأَزْهَارٍ مِن بَلَاسْتِيك لَا رَائِحَةَ لَهَا وَلَا عَبِيرَ. إِنَّ القَارِئَ الذَّكِيَّ يَسْتَشْعِرُ صِدْقَ الكَاتِبِ بَيْنَ السُّطُورِ، وَيَلْمَسُ حَرَارَةَ أَنْفَاسِهِ فِي كُلِّ فاصِلَةٍ وَنُقْطَةٍ.
أَيُّهَا اليَرَاعُ المُسَافِرُ فِي مَجَاهِلِ الفِكْرِ، لَا تَتَوَقَّفْ عَنِ النَّبْضِ. فَأَنْتَ الصَّدِيقُ فِي الوَحْدَةِ، وَالمُؤْنِسُ فِي الغُرْبَةِ. وَأَنْتِ أَيَّتُهَا الوَرَقَةُ، كُونِي شَاهِدَةً عَلَى عَبُورِي، وَاحْفَظِي أَسْرَارِي بَيْنَ طَيَّاتِكِ. فَالكَاتِبُ لَا يَمُوتُ مَا دَامَتْ كَلِمَاتُهُ تَتَرَدَّدُ فِي صُدُورِ البَشَرِ، وَمَا دَامَتْ أَفْكَارُهُ تَبْنِي عُقُولًا وَتُنِيرُ دُرُوبًا.
وَفِي خِتَامِ تَأَمُّلَاتِي، أُدْرِكُ أَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ غَايَةً بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ هِيَ وَسِيلَةٌ لِلفَهْمِ، لِلتَّوَاصُلِ، لِلحُبِّ. هِيَ دَعْوَةٌ لِلتَّأَمُّلِ فِي جَمَالِ الكَوْنِ، وَفِي عُمَقِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. فَسَلَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَ القَلَمَ بِشَرَفٍ، وَسَلَامٌ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنَ القَلْبِ لِتَسْكُنَ فِي القَلْبِ.
إِنَّهَا لَحَظَاتُ الصَّفَاءِ الَّتِي نَقْتَنِصُهَا مِنْ مَخَالِبِ الزَّمَنِ، لِنَصُوغَهَا حِكَايَاتٍ وَتَأَمُّلَاتٍ، تَبْقَى حَيَّةً نَابِضَةً، تُحَاكِي أَرْوَاحَ مَنْ يَأْتُونَ بَعْدَنَا، فَنَقُولُ لَهُمْ: كُنَّا هُنَا، وَهَذِهِ هِيَ أَثَارُنَا. الكِتَابَةُ هِيَ المَلَاذُ الأَخِيرُ، وَهِيَ الشَّاطِئُ الَّذِي نَرْسُو عَلَيْهِ بَعْدَ عَوَاصِفِ الحَيَاةِ، لِنَجِدَ فِيهِ السَّكِينَةَ وَالرَّاحَةَ وَالأَمَانَ.
فَلْنَمْضِ قُدُمًا، نَحْمِلُ أَقْلَامَنَا كَمَشَاعِلَ لَا تَنْطَفِئُ، وَنَكْتُبُ لِأَنَّ الحَيَاةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحْكَى، وَلِأَنَّ الرُّوحَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحَلِّقَ فِي سَمَاءِ الحُرِّيَّةِ وَالإِبْدَاعِ. هَذِهِ هِيَ تَأَمُّلَاتِي، نُقِشَتْ بِحِبْرِ القَلْبِ، لِتَكُونَ زَادًا لِي وَلِكُلِّ سَائِرٍ فِي دَرْبِ الحَرْفِ الجَمِيلِ.

اترك تعليقاً