د. آمنة الريسي خبير ومستشار في علم النفس السياسي تكتب :الحرب الراهنة.. بين صراع الهيمنة وضرورة الإصلاح الداخلي

 

هل نحن أمام صراع طائفي بامتياز؟ أم هو صراع جيوسياسي محموم على الهيمنة؟ أم أنها أزمة معقدة تراكمت جذورها وتفاعلت حتى خرجت تبعاتها عن نطاق السيطرة؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً: هل تمثل الحرب الراهنة فصلاً ختامياً، أم أنها مجرد محطة عابرة في سلسلة صراعات مستقبلية تلوح في الأفق؟

الإصلاح الداخلي: المبتدأ والمنتهى

من وجهة نظري المتواضعة، يكمن الحل الجذري للأزمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “إصلاح الداخل”. إن هذه المنطقة، بما تمتلكه دول الخليج والعالم العربي من ثقل اقتصادي وموقع استراتيجي فريد، كانت وما زالت مطمعاً للقوى الدولية، وهو ما يفسر التواجد الأجنبي الكثيف والصراعات المستمرة.

وهنا يبرز تساؤل جوهري: ما الذي يمنع دول المنطقة من تشكيل تحالفات إقليمية فاعلة تعزز الأمن القومي الجماعي، وتستثمر مقدراتها الاقتصادية والسيادية بدلاً من تركها عرضة للهيمنة الخارجية؟ إن الإجابة تكمن في حزمة من المعوقات، أبرزها:
• غياب الرؤية المستقبلية الموحدة.
• تآكل دور الدولة المركزية: مما أدى إلى بروز “الفواعل غير الحكومية” من ميليشيات وجماعات متمردة، تحولت إلى أدوات بيد قوى كبرى لتحقيق أجنداتها الخاصة.
• أزمة السيادة والسلطة: وما نتج عنها من ضعف في التنمية المستدامة، وتفشي الفساد، والبطالة، والفقر.
• التغلغل الأيديولوجي: وتنامي الأفكار المتطرفة التي تحدت شرعية الدولة وقوانينها.

استراتيجيات القوى الكبرى وصراع الوكالة

تمتلك القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً (مثل الولايات المتحدة، الصين، إيران، وإسرائيل) مقومات القوة الثابتة، إلا أنها تواجه في المقابل أزمات داخلية وتحديات اقتصادية واجتماعية تعيق مسار تحولها إلى قوى عظمى مطلقة. وللحفاظ على نفوذها في ظل هذا “اللا استقرار”، تتبنى هذه القوى استراتيجيات مزدوجة:
1. القوة الخشنة بالوكالة: عبر توظيف الجماعات المتطرفة والفواعل غير الرسمية لإدارة الصراعات نيابة عنها.
2. القوة الناعمة: من خلال الانخراط في قضايا عالمية كالتغير المناخي والأمن الغذائي كغطاء لفرض الهيمنة وضمان البقاء.

وطالما ظلت الصراعات الإقليمية “ضبابية المصدر”، ستستمر هذه القوى في استغلالها؛ تارة عبر دعم الحلفاء الاستراتيجيين كما في النموذج الأمريكي-الإسرائيلي، وتارة عبر تأمين الممرات المائية الحيوية ومنابع الطاقة كما يفعل الجانب الإيراني.

خارطة الطريق: نحو نظام دبلوماسي عربي متكامل
إن الخطوة الأولى لمواجهة هذه التحديات تبدأ من تعزيز الانتماء الوطني وصهر كافة أطياف المجتمع في نظام حكم يمثل الجميع، بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو العرقية. إن إرساء قيم المواطنة، والمساواة، والمشاركة الفعالة هو الحصن المنيع ضد التدخلات الخارجية.

ختاماً، إذا نجحنا في معالجة تصدعاتنا الداخلية، وتمكنا من بناء نظام دبلوماسي عربي يرتكز على قيمنا الحضارية وهويتنا الثقافية، ويملك القدرة على التأثير في قواعد القانون الدولي، نكون قد وضعنا أقدامنا على أولى عتبات التصدي الحقيقي لأزمات المنطقة واستعادة سيادتها المسلوبة.

 

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *