بِقَلَمِ: عَبْدِ الْحَافِظِ الرَّوَّاسِ
يُعَدُّ اخْتِيَارُ الْمَسْكَنِ مِنْ أَهَمِّ الْقَرَارَاتِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ، فَالْمَسْكَنُ لَيْسَ مُجَرَّدَ جُدْرَانٍ وَسَقْفٍ يُؤْوِي الْإِنْسَانَ، بَلْ هُوَ بِيئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا الْفَرْدُ مَعَ أُسْرَتِهِ وَيَتَفَاعَلُ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْمَثَلُ الْعَرَبِيُّ الشَّهِيرُ “الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ” لِيَعْكِسَ حِكْمَةً عَمِيقَةً مُتَوَارَثَةً عَبْرَ الْأَجْيَالِ، تُؤَكِّدُ أَنَّ قِيمَةَ الْمَكَانِ لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي جَمَالِهِ أَوْ مَوْقِعِهِ، بَلْ فِي طَبِيعَةِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا عَلَاقَةُ الْجِوَارِ.
لَقَدْ أَدْرَكَ الْإِنْسَانُ مُنْذُ الْقِدَمِ أَهَمِّيَّةَ الْجَارِ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْجِيرَانِ عَلَاقَةٌ يَوْمِيَّةٌ وَمُبَاشِرَةٌ، تَتَجَلَّى فِي الْمَوَاقِفِ الصَّغِيرَةِ قَبْلَ الْكَبِيرَةِ. فَالْجَارُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يَهَبُّ لِلْمُسَاعَدَةِ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُشَارِكُ الْفَرَحَ فِي أَوْقَاتِ السَّعَادَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِاخْتِيَارِ الْجَارِ أَمْرًا لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ اخْتِيَارِ الْبَيْتِ نَفْسِهِ.
وَيَحْمِلُ هَذَا الْمَثَلُ أَبْعَادًا اجْتِمَاعِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى قِيمَةِ التَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. فَالْجَارُ الصَّالِحُ يُمَثِّلُ مَصْدَرَ أَمَانٍ وَرَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ، حَيْثُ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُسَانِدُهُ وَيَقِفُ إِلَى جَانِبِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. كَمَا أَنَّ الْجِيرَةَ الطَّيِّبَةَ تُعَزِّزُ رُوحَ التَّضَامُنِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَتَخْلُقُ بِيئَةً يَسُودُهَا الِاحْتِرَامُ وَالتَّقْدِيرُ الْمُتَبَادَلُ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، تُسْهِمُ الْعَلَاقَاتُ الْجَيِّدَةُ بَيْنَ الْجِيرَانِ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَمَاسِكٍ، حَيْثُ تَنْشَأُ شَبَكَاتٌ مِنَ التَّعَاوُنِ وَالدَّعْمِ الْمُتَبَادَلِ. فَالْأَحْيَاءُ الَّتِي تَسُودُ فِيهَا رُوحُ الْجِيرَةِ الطَّيِّبَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا وَأَمَانًا، لِأَنَّ سُكَّانَهَا يَشْعُرُونَ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ تِجَاهَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ.
أَمَّا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْحَدِيثَةِ، وَرَغْمَ تَسَارُعِ وَتِيرَةِ الْحَيَاةِ وَانْشِغَالِ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ قِيمَةَ الْجَارِ مَا زَالَتْ قَائِمَةً، بَلْ رُبَّمَا أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً فِي ظِلِّ التَّحَدِّيَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ. فَالتَّوَاصُلُ الْإِيجَابِيُّ بَيْنَ الْجِيرَانِ يُخَفِّفُ مِنَ الشُّعُورِ بِالْعُزْلَةِ، وَيُعَزِّزُ رُوحَ الِانْتِمَاءِ لِلْمَكَانِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، قَدْ يُؤَدِّي سُوءُ الْجِوَارِ إِلَى تَوَتُّرٍ دَائِمٍ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، إِذْ إِنَّ الْخِلَافَاتِ الْمُتَكَرِّرَةَ بَيْنَ الْجِيرَانِ قَدْ تَخْلُقُ بِيئَةً غَيْرَ مُرِيحَةٍ، مَهْمَا كَانَ الْمَنْزِلُ جَمِيلًا أَوْ مُرِيحًا. وَلِهَذَا يُؤَكِّدُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ عَلَى ضَرُورَةِ النَّظَرِ إِلَى الْجَارِ قَبْلَ التَّفْكِيرِ فِي مُوَاصَفَاتِ الْمَنْزِلِ، لِأَنَّ الْجَارَ السَّيِّئَ قَدْ يُحَوِّلُ أَجْمَلَ الْبُيُوتِ إِلَى مَكَانٍ لَا يُطَاقُ.
كَمَا تَلْعَبُ الْمُؤَسَّسَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ دَوْرًا مُهِمًّا فِي تَرْسِيخِ ثَقَافَةِ الْجِوَارِ الْحَسَنِ، مِنْ خِلَالِ نَشْرِ قِيَمِ التَّعَاوُنِ وَالتَّسَامُحِ وَالِاحْتِرَامِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. فَتَعْلِيمُ الْأَطْفَالِ مُنْذُ الصِّغَرِ أَهَمِّيَّةَ احْتِرَامِ الْجِيرَانِ وَمُسَاعَدَتِهِمْ يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ أَجْيَالٍ أَكْثَرَ وَعْيًا بِمَسْؤُولِيَّاتِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَقَدْ أَوْلَى الْإِسْلَامُ عِنَايَةً كَبِيرَةً بِحُقُوقِ الْجَارِ، وَجَعَلَ حُسْنَ الْجِوَارِ مِنْ عَلَامَاتِ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ. فَقَدْ دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ، وَمُسَاعَدَتِهِ، وَاحْتِرَامِهِ، وَالِابْتِعَادِ عَنْ إِيذَائِهِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، بَلْ إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ أَكَّدَتْ أَنَّ أَذَى الْجَارِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَنَافَى مَعَ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِ الْحَقِيقِيَّةِ.
وَمِنْ أَبْرَزِ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الشَّأْنِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ”، وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ يُبَيِّنُ مَدَى اهْتِمَامِ الْإِسْلَامِ بِحُقُوقِ الْجَارِ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ مِنْ كَثْرَةِ وَصِيَّةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْجَارِ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُ نَصِيبًا فِي الْمِيرَاثِ.
وَمِنْ حُقُوقِ الْجَارِ فِي الْإِسْلَامِ السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَإِكْرَامُهُ، وَمُسَاعَدَتُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْوُقُوفُ إِلَى جَانِبِهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَمُشَارَكَتُهُ أَفْرَاحَهُ وَأَحْزَانَهُ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُ، وَاحْتِرَامُ خُصُوصِيَّتِهِ، وَالتَّسَامُحُ مَعَهُ، وَالتَّغَاضِي عَنْ زَلَّاتِهِ. فَهَذِهِ الْقِيَمُ تُسْهِمُ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَرَاحِمٍ تَسُودُهُ الْمَحَبَّةُ وَالتَّعَاوُنُ.
إِنَّ الْمَثَلَ “الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ” لَيْسَ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ مُتَدَاوَلَةٍ، بَلْ هُوَ قَاعِدَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ تَعْكِسُ تَجْرِبَةً إِنْسَانِيَّةً طَوِيلَةً، أَثْبَتَتْ أَنَّ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةَ هِيَ الْأَسَاسُ الْحَقِيقِيُّ لِرَاحَةِ الْإِنْسَانِ وَاسْتِقْرَارِهِ. فَالْمَكَانُ قَدْ يُشْتَرَى بِالْمَالِ، لَكِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ الَّتِي يَمْنَحُهَا الْجَارُ الصَّالِحُ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ، يَبْقَى حُسْنُ الْجِوَارِ مِنْ أَجْمَلِ الْقِيَمِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْإِنْسَانُ، لِأَنَّهُ يُجَسِّدُ رُوحَ التَّآخِي وَالتَّعَاوُنِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْمُجْتَمَعُ الْمُتَمَاسِكُ. فَحِينَ يَكُونُ الْجَارُ أَخًا وَسَنَدًا، يَصْبِحُ الْحَيُّ أُسْرَةً كَبِيرَةً يَسُودُهَا الْوُدُّ وَالِاحْتِرَامُ، وَتَتَحَقَّقُ عِنْدَهَا الْحِكْمَةُ الْعَمِيقَةُ الَّتِي حَمَلَهَا هَذَا الْمَثَلُ عَبْرَ الْأَجْيَالِ: الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ.

اترك تعليقاً