بِقَلَمِ: عَبْدِ الْحَافِظِ الرَّوَّاسِ
تَمْهِيدٌ: تَرَاتِيلُ الرَّحِيلِ وَأَهَازِيجُ الْوُصُولِ
هَاهِيَ الْأَيَّامُ تَنْطَوِي كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وَهَاهِيَ لَحَظَاتُ الْأُنْسِ تَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ أَنَامِلِ الزَّمَانِ كَمَا يَتَسَلَّلُ الضِّيَاءُ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ. نَقِفُ الْيَوْمَ عَلَى أَعْتَابِ مَرْحَلَةٍ فَاصِلَةٍ فِي وِجْدَانِ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ تَمْتَزِجُ لَوْعَةُ الْفِرَاقِ بِمَرَارَتِهَا، مَعَ فَرْحَةِ اللِّقَاءِ بِعُذُوبَتِهَا. بَيْنَ وَدَاعِ شَهْرٍ كَانَ لِلرُّوحِ سَكَنًا، وَبَيْنَ اسْتِقْبَالِ عِيدٍ جَاءَ لِلْقَلْبِ وَطَنًا، نَسْطُرُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِمِدَادِ الشَّوْقِ وَنُورِ الْيَقِينِ.
لَوْعَةُ الْوَدَاعِ.. حِينَ يَبْكِي الْمِحْرَابُ
مَا أَصْعَبَ أَنْ تُوَدِّعَ حَبِيبًا زَارَكَ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ، فَأَحْيَا فِيكَ مَوَاتَ الرُّوحِ، وَأَضَاءَ لَكَ قَنَادِيلَ الدُّجَى. رَمَضَانُ، ذَلِكَ الضَّيْفُ الْخَفِيفُ الظِّلِّ، الثَّقِيلُ الْأَجْرِ، يَحْزِمُ أَمْتِعَتَهُ النُّورَانِيَّةَ لِيَمْضِيَ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ رَبُّهُ، مُخَلِّفًا وَرَاءَهُ مَسَاجِدَ ضَجَّتْ بِالتَّكْبِيرِ، وَمَحَارِيبَ بَلَّلَتْهَا دُمُوعُ الْمُتَهَجِّدِينَ.
إِنَّ وَدَاعَ رَمَضَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْقِضَاءِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، بَلْ هُوَ انْفِصَالٌ عَنْ حَالَةٍ مَلَائِكِيَّةٍ كَانَ يَعِيشُهَا الْمُسْلِمُ، حَيْثُ كَانَتِ النَّفْسُ تَتَرَفَّعُ عَنِ الدَّنَايَا، وَتَحْلِقُ فِي سَمَاءِ الطَّهَارَةِ. كَيْفَ لَا نَحْزَنُ عَلَى رَحِيلِهِ وَفِيهِ كَانَتْ تُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ، وَتُفَتَّحُ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ النِّيرَانِ؟ كَيْفَ لَا نَذْرِفُ الدُّمُوعَ وَقَدْ أَلِفْنَا فِيهِ صَوْتَ التَّرَاوِيحِ يَنْسَابُ فِي الْأَزِقَّةِ كَنَهْرٍ عَذْبٍ، وَصَوْتَ السَّحَرِ وَهُوَ يَهْمِسُ فِي آذَانِ الْغَافِلِينَ أَنْ هَلُمُّوا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ؟
لَقَدْ كَانَ رَمَضَانُ مَدْرَسَةً رَبَّانِيَّةً، تَعَلَّمْنَا فِيهَا أَنَّ الْجُوعَ لَيْسَ حِرْمَانًا، بَلْ هُوَ تَحَرُّرٌ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْمَادَّةِ. تَعَلَّمْنَا فِيهَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي الْبَطْشِ، بَلْ فِي ضَبْطِ النَّفْسِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَكَفِّ اللِّسَانِ عَنِ اللَّغْوِ. وَالْآنَ، وَنَحْنُ نُقَلِّبُ أَوْرَاقَ الرَّحِيلِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ قَبِلَ صِيَامَهُمْ، وَرَفَعَ قِيَامَهُمْ، وَكَتَبَهُمْ مِنَ الْعُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ.
حَصَادُ الرُّوحِ.. مَاذَا أَبْقَى لَنَا رَمَضَانُ؟
قَبْلَ أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى ضِفَّةِ الْعِيدِ، عَلَيْنَا أَنْ نَقِفَ مَعَ أَنْفُسِنَا وَقْفَةَ مُحَاسَبَةٍ. مَاذَا زَرَعْنَا فِي تُرْبَةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ وَمَاذَا سَنَحْصِدُ؟ إِنَّ الرَّابِحَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنِ انْتَهَى الشَّهْرُ وَهُوَ يَنْتَظِرُ مَائِدَةَ الطَّعَامِ، بَلْ مَنِ انْتَهَى الشَّهْرُ وَقَدْ صَفَتْ نَفْسُهُ، وَزَكَا قَلْبُهُ، وَاسْتَقَامَ سُلُوكُهُ.
لَقَدْ تَرَكَ فِينَا رَمَضَانُ بَذْرَةَ التَّقْوَى، فَهَلْ سَنَسْقِيهَا بِمَاءِ الْمُدَاوَمَةِ بَعْدَ رَحِيلِهِ؟ لَقَدْ تَرَكَ فِينَا رُوحَ التَّكَافُلِ وَالْإِحْسَانِ، فَهَلْ سَنَبْقَى مَمْدُودِي الْأَيْدِي لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؟ إِنَّ الْمُؤْمِنَ الرَّبَّانِيَّ لَا يَنْتَهِي عَهْدُهُ بِالطَّاعَةِ بِانْتِهَاءِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ شَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ.
إِنَّ أَعْظَمَ هَدِيَّةٍ نَخْرُجُ بِهَا مِنْ مِضْمَارِ هَذَا الشَّهْرِ هِيَ “الِانْكِسَارُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ”، ذَلِكَ الشُّعُورُ بِالافْتِقَارِ التَّامِّ لِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. إِذَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَحْمِلَ هَذَا الشُّعُورَ مَعَنَا إِلَى بَقِيَّةِ شُهُورِ الْعَامِ، فَقَدْ فُزْنَا فَوْزًا عَظِيمًا، وَصَارَ كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَيْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْصِي اللَّهَ فِيهِ هُوَ بِمَثَابَةِ عِيدٍ.
تَبَاشِيرُ الْفَجْرِ.. انْبِلَاجُ هِلَالِ الْعِيدِ
وَفِي لَحْظَةٍ سَاحِرَةٍ، تَتَّجِهُ الْأَبْصَارُ نَحْوَ الْأُفُقِ، تَرْتَقِبُ وِلَادَةَ جَنِينِ الضِّيَاءِ، “هِلَالِ شَوَّالٍ”. حِينَمَا يُعْلَنُ عَنْ ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ، تَنْطَلِقُ الزَّغَارِيدُ فِي الْقُلُوبِ قَبْلَ الْحَنَاجِرِ، وَتَعْلُو التَّكْبِيرَاتُ لِتَمْلأَ الْآفَاقَ: “اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..”.
إِنَّهُ الْعِيدُ.. يَوْمُ الْجَائِزَةِ الْكُبْرَى. يَوْمٌ لَا يُشْبِهُهُ يَوْمٌ، حَيْثُ يَفْرَحُ الصَّائِمُونَ بِفِطْرِهِمْ، كَمَا وَعَدَهُمُ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَكِنَّ فَرْحَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ فَرْحَةً لَا مَسْؤُولَةً، بَلْ هِيَ فَرْحَةٌ مَغْمُوسَةٌ بِالشُّكْرِ وَالِامْتِنَانِ. فَرِحْنَا لِأَنَّ اللَّهَ أَعَانَنَا عَلَى تَمَامِ الْعِدَّةِ، وَفَرِحْنَا لِأَنَّنَا نَرْجُو مِنْهُ الْقَبُولَ.
يَأْتِي الْعِيدُ لِيَمْسَحَ عَنِ الْجِبَاهِ عَنَاءَ السَّهَرِ، وَعَنِ الْأَجْسَادِ تَعَبَ الظَّمَأِ. يَأْتِي لِيَقُولَ لَنَا: إِنَّ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ نَصِيبًا، وَإِنَّ بَعْدَ الصَّبْرِ ظَفَرًا. فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ، يَلْبَسُ الْكَوْنُ حُلَّةً مِنَ الْبَهَاءِ، وَتَتَنَزَّلُ السَّكِينَةُ عَلَى الْبُيُوتِ، وَيَبْدَأُ النَّاسُ فِي تَهْيِئَةِ أَنْفُسِهِمْ لِصَبَاحٍ جَدِيدٍ، صَبَاحٍ يَفُوحُ بِرَائِحَةِ الْبَخُورِ وَالْقَهْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَتَزَيَّنُ بِأَجْمَلِ الثِّيَابِ وَأَطْيَبِ الِابْتِسَامَاتِ.
صَبَاحُ الْعِيدِ.. مَلْحَمَةُ الْحُبِّ وَالتَّصَالُحِ
مَعَ بزوغِ خُيُوطِ الْفَجْرِ الْأُولَى مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ، تَخْرُجُ الْجُمُوعُ إِلَى الْمُصَلَّيَاتِ وَالْمَسَاجِدِ. تَرَى الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، يَقِفُونَ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ. تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيهَا صَوْتُ الْإِمَامِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، هِيَ لَحْظَةُ الْإِعْلَانِ عَنِ انْتِصَارِ الرُّوحِ عَلَى الشَّهْوَةِ، وَالْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ.
بَعْدَ الصَّلَاةِ، تَبْدَأُ مَلْحَمَةُ الِاجْتِمَاعِ الْإِنْسَانِيِّ. يَتَعَانَقُ الْمُتَخَاصِمُونَ، وَيَتَصَافَحُ الْمُتَبَاعِدُونَ. إِنَّ الْعِيدَ هُوَ جِسْرٌ يَمْتَدُّ بَيْنَ الْقُلُوبِ، فَيَمْحُو الضَّغَائِنَ وَيَغْسِلُ الْأَحْقَادَ. مَا أَجْمَلَ أَنْ تَرَى الْأَطْفَالَ يَمْرَحُونَ بِثِيَابِهِمُ الْجَدِيدَةِ، كَأَنَّهُمْ فَرَاشَاتٌ تُحَلِّقُ فِي حَدَائِقِ السَّعَادَةِ! وَمَا أَنْبَلَ أَنْ تَرَى الْكِبَارَ يَسْعَوْنَ فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، يَطْرُقُونَ الْأَبْوَابَ لِيَنْشُرُوا السَّلَامَ وَالْمَحَبَّةَ!
الْعِيدُ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ رِسَالَةُ “تَسَامُحٍ”. فَمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صَوْمَهُ، لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ هُوَ أَعْذَارَ النَّاسِ. وَمَنْ طَمِعَ فِي عَفْوِ اللَّهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. هَكَذَا يَتَحَوَّلُ الْعِيدُ مِنْ مُجَرَّدِ مَظَاهِرَ خَارِجِيَّةٍ إِلَى ثَوْرَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تُعِيدُ صِيَاغَةَ الْمُجْتَمَعِ عَلَى أُسُسٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
زَكَاةُ الْفِطْرِ.. طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ
لَا يَكْتَمِلُ مَشْهَدُ الِانْتِقَالِ مِنْ رَمَضَانَ إِلَى الْعِيدِ إِلَّا بِذَلِكَ الْوَاجِبِ الرَّفِيعِ: “زَكَاةِ الْفِطْرِ”. فَلَقَدْ شَرَعَهَا اللَّهُ لِتَكُونَ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِمَّا قَدْ شَابَ صِيَامَهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَلِتَكُونَ عَوْنًا لِلْفُقَرَاءِ حَتَّى لَا يَبْقَى جَائِعٌ فِي يَوْمِ الْفَرَحِ.
إِنَّ هَذِهِ الشَّعِيرَةَ تُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ يَرْبِطُ السَّمَاءَ بِالْأَرْضِ، وَالْعِبَادَةَ بِالْمُعَامَلَةِ. فَلَا تَقْدِيسَ لِلَّهِ دُونَ رَحْمَةٍ بِخَلْقِهِ. وَبِذَلِكَ يَدْخُلُ الْجَمِيعُ بَوَّابَةَ الْعِيدِ وَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْحَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ، فَتَعُمُّ الْبَهْجَةُ كُلَّ بَيْتٍ، وَيَمْتَلِئُ كُلُّ قَلْبٍ بِالرِّضَا.
الْعِيدُ بَيْنَ الْأَمْسِ وَالْيَوْمِ.. ذِكْرَيَاتٌ لَا تَشِيخُ
حِينَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْعِيدِ، تَقْفِزُ إِلَى الْأَذْهَانِ تِلْكَ الصُّوَرُ الْقَدِيمَةُ لِأَعْيَادِ الطُّفُولَةِ. كَانَ لِلْعِيدِ نَكْهَةٌ خَاصَّةٌ، بَسِيطَةٌ فِي مَظْهَرِهَا، عَمِيقَةٌ فِي مَخْبَرِهَا. كَانَتِ الْبُيُوتُ مَفْتُوحَةً لِلْجَمِيعِ، وَكَانَتِ “الْعِيدِيَّةُ” تُمَثِّلُ لَنَا كَنْزًا لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
رَغْمَ تَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ، وَدُخُولِ التِّكْنُولُوجِيَا فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا، إِلَّا أَنَّ جَوْهَرَ الْعِيدِ يَبْقَى صَامِدًا. قَدْ نَتَبَادَلُ التَّهَانِيَ عَبْرَ الشَّاشَاتِ، لَكِنَّ لَذَّةَ اللِّقَاءِ الْمُبَاشِرِ، وَحَرَارَةَ الْمُصَافَحَةِ، وَدِفْءَ الْجَلَسَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، تَظَلُّ هِيَ لُبَّ الْعِيدِ وَرُوحَهُ. إِنَّ الْعِيدَ يَدْعُونَا لِإِحْيَاءِ تِلْكَ الْقِيَمِ الْأَصِيلَةِ، وَأَلَّا نَجْعَلَ مِنْ أَنْفُسِنَا جُزُرًا مَعْزُولَةً فِي بَحْرِ الْمَادِيَّةِ.
مَا بَعْدَ الْعِيدِ.. الِاسْتِمْرَارِيَّةُ هِيَ الِاخْتِبَارُ
بَعْدَ أَنْ تَنْطَفِئَ أَنْوَارُ الزِّينَةِ، وَتَعُودَ الْحَيَاةُ إِلَى مَجْرَاهَا الطَّبِيعِيِّ، يَبْدَأُ الِاخْتِبَارُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمُؤْمِنِ. هَلْ كَانَ رَمَضَانُ مُجَرَّدَ “مَوْسِمٍ” لِلْعِبَادَةِ يَنْتَهِي بِمَوْتِ الْهِلَالِ؟ أَمْ أَنَّهُ كَانَ “تَحَوُّلًا” فِي جَوْهَرِ الشَّخْصِيَّةِ؟
إِنَّ قَبُولَ الْعَمَلِ لَهُ عَلَامَةٌ، وَأَهَمُّ عَلَامَاتِهِ هِيَ “الْحَسَنَةُ بَعْدَ الْحَسَنَةِ”. إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ بَعْدَ الْعِيدِ مُحَافِظًا عَلَى صَلَاتِكَ، غَاضًّا لِبَصَرِكَ، وَاصِلًا لِرَحِمِكَ، فَأَبْشِرْ بِالْقَبُولِ. إِنَّ رَمَضَانَ يَمْضِي، لَكِنَّ آثَارَهُ يَجِبُ أَنْ تَبْقَى نَقْشًا عَلَى حَجَرِ الْعُمُرِ.
عَلَيْنَا أَنْ نَحْمِلَ “أَخْلَاقَ الصَّائِمِ” مَعَنَا إِلَى الْوَظِيفَةِ، إِلَى الشَّارِعِ، إِلَى التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ مِنَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ كَافَّةً. عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ سُفَرَاءَ لِرَمَضَانَ فِي بَقِيَّةِ شُهُورِ السَّنَةِ، نَنْشُرُ السَّلَامَ حَيْثُمَا حَلَلْنَا، وَنَبْنِي لَا نَهْدِمُ، وَنُبَشِّرُ لَا نُنَفِّرُ.
الْخَاتِمَةُ: دُعَاءٌ وَرَجَاءٌ
فِي خِتَامِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ بَيْنَ الْوَدَاعِ وَالِاسْتِقْبَالِ، لَا نَمْلِكُ إِلَّا أَنْ نَرْفَعَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى بَارِئِ النَّسَمَةِ، قَائِلِينَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ عَهْدَنَا بِرَمَضَانَ عَهْدًا مَقْطُوعًا، وَاجْعَلْ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيهِ شَفِيعًا لَنَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْكَ.
وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْقُرْآنِ، وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْغُفْرَانِ، وَدَاعًا يَا خَيْرَ الشُّهُورِ. وَمَرْحَبًا بِالْعِيدِ السَّعِيدِ، مَرْحَبًا بِيَوْمِ الْجَائِزَةِ وَالتَّكْرِيمِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْعَالَمِ أَجْمَعَ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَاتِ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَأَنْ يَجْعَلَ قُلُوبَنَا مَجْمُوعَةً عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَرْوَاحَنَا مُتَّصِلَةً بِرَحْمَتِهِ.
فَلْنَفْرَحْ بِالْعِيدِ، وَلْنَبْتَهِجْ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ كُلِّ لَحْظَةٍ فِيهِ فُرْصَةً لِنَشْرِ الْحُبِّ وَالْجَمَالِ. كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ إِلَى اللَّهِ أَقْرَبُ، وَكُلُّ عَامٍ وَقُلُوبُكُمْ بِالْإِيمَانِ أَعْمَرُ.

اترك تعليقاً