محمد عبلة: الفارس الذي طوّع “روح الأماكن” ونال تقدير العالم

كتبت سحر مهني

 

بين أزقة القاهرة المزدحمة وضفاف النيل الهادئة، وبين ريف الدلتا ومنصات التكريم الدولية، يتحرك الفنان التشكيلي محمد عبلة (مواليد 1953) كشاهد عيان على تحولات الزمان والمكان. لم يكن فوزه بـ “وسام جوته” الألماني في عام 2022 —كأول فنان تشكيلي عربي ينال هذا الشرف— مجرد تكريم لشخصه، بل كان اعترافاً دولياً بقدرة الفن المصري المعاصر على صياغة لغة إنسانية عالمية.

ريشة مغموسة في تراب الوطن

تميز عبلة بقدرته الفائقة على رصد “التحولات”. في لوحاته، لا تظهر القاهرة ككتلة صماء من الحجر، بل ككائن حي يتنفس. برع في تصوير العمارة العشوائية، ليس من باب الرصد السلبي، بل كحالة اجتماعية وبصرية تفرض وجودها. كما شغلت المرأة المصرية والنيل مساحة شاسعة من وجدانه الفني، فجاءت أعماله مزيجاً بين التجريد والواقعية التعبيرية.

الفن كفعل مقاومة ومشاركة

لا ينعزل محمد عبلة في “برجه العاجي”، بل يؤمن بأن الفن ملكية عامة. تجلى ذلك في:

مركز الفيوم للفنون: الذي أسسه في قرية “تونس” بالفيوم، ليصبح منارة لتعليم الفنون ومركزاً دولياً لملتقيات فن الكاريكاتير.

متحف الكاريكاتير: وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، حيث جمع فيه عبلة شتات هذا الفن الساخر ليحفظ ذاكرة النقد الاجتماعي والسياسي في مصر.

التنوع التقني: من الحفر إلى الجرافيك

لم يتوقف عبلة عند تقنية واحدة؛ فقد خاض مغامرات فنية في الحفر (Etching)، والتصوير الزيتي، والتركيب، والجرافيك. أعماله تعكس قلقاً إبداعياً محموداً، يرفض الركود ويبحث دائماً عن وسائط جديدة للتعبير عن قضايا الهوية، البيئة، وحقوق الإنسان.

لغة عالمية بلهجة مصرية

حين نقف أمام لوحاته التي عرضت في متاحف ألمانيا، سويسرا، وإيطاليا، نجد أن “المحلية” كانت بوابته للعالمية. استطاع عبلة أن ينقل تفاصيل “الحارة” و”المركب” و”الزحام” إلى صالات العرض الكبرى، مقدماً سردية بصرية مغايرة عن الشرق، بعيدة عن الاستشراق التقليدي، وأقرب إلى نبض الشارع الحقيقي.

“الفن بالنسبة لي ليس رفاهية، بل هو محاولة لفهم هذا العالم الصاخب وإيجاد مساحة من الجمال وسط الركام.” — محمد عبلة.

يبقى محمد عبلة نموذجاً للفنان المثقف الذي لم يكتفِ بتقديم لوحات فنية، بل صنع مؤسسات وبنى جسوراً بين الثقافات، مؤكداً أن الفن هو القوة الناعمة التي لا تعرف الحدود.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *