بقلم كمال البدراوي
رئيس اللجنه المركزية للتعليم والبحث العلمي وعضو اللجنه العليا لتقصي الحقائق ودعم الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة بالمنظمة المصرية الدولية لحقوق الإنسان والتنمية.
في زحام العلاقات وتشابك المصالح، لم يعد التناقض البشري أمرًا عابرًا، بل تحوّل إلى سلوك متقن يمارسه البعض بمهارة لافتة. أشخاص لا يظهرون بوجوههم الحقيقية، ولا يتكلمون بأسمائهم، بل يختبئون خلف غيرهم، ويتحدثون بلسان ليس لهم، ظنًا أن الظل يمنحهم أمانًا، وأن القناع يطيل عمر الحيلة.
هؤلاء لا يواجهون، بل يتدارون. لا يعلنون مواقفهم، بل يمرّرونها عبر أسماء أخرى. يصنعون لأنفسهم نفوذًا مستعارًا، ويحققون مصالح شخصية مستخدمين ثقة الناس في غيرهم. في العلن، وجوه مبتسمة، وكلمات منمّقة، وادّعاء حرص ونُصح. وفي الخفاء، ترتيبات، وتحريض، وزرع للشك، وطعن من الخلف.
إنهم يقولون ما لا يبطنون، ويُظهرون غير ما يخفون، في ممارسة إنسانية قديمة بثوب جديد. يقدّمون الورد أمامك، بينما تمتد أياديهم بالأشواك خلف ظهرك. لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم يخشون المواجهة، فالصراحة تحتاج شجاعة، والوضوح يتطلب تحمّل العواقب.
وعلى النقيض تمامًا، يقف أولئك الواضحون… النادرون.
أشخاص لا يحتاجون إلى وسطاء، ولا يتحدثون من خلف ستار، ولا يبدّلون وجوههم بتبدّل الظروف. تعرفهم من نظراتهم قبل كلماتهم، وتشعر بالأمان معهم لأنهم لا يحملون مفاجآت مؤذية. وجوههم واحدة في الغياب والحضور، وأسمائهم تكفيهم، فلا يستعيرون أسماء ولا مواقف.
الوضوح ليس اندفاعًا ولا قسوة، بل انسجام داخلي. أن تتطابق نواياك مع أقوالك، وأقوالك مع أفعالك. أن لا تضطر لتغيير روايتك كلما تغيّر المكان أو الأشخاص. الواضح لا يتعب، لأنه لا يمثل، ولا يرهق ذاكرته بتذكّر الأقنعة التي ارتداها.
أما المتلوّنون وأصحاب المصالح، فهذه رسالة لا خصومة:
أن تتحدث بإسم غيرك لتخدم نفسك، ليس ذكاءً، بل فقرًا في الشجاعة.
وأن تختبئ خلف الآخرين لتصيب من الخلف، ليس حنكة، بل عجزًا عن الوقوف بوجهك الحقيقي.
فالجرأة الحقيقية أن تقول “أنا”، وتتحمّل مسئولية ما تقول، لا أن تزرع كلماتك في أفواه غيرك، ثم تتبرأ منها عند أول مواجهة.
قد تنجح هذه الأساليب وقتًا، وقد تمرّ دون حساب، لكن الحقيقة لا تموت. الوجوه تنكشف، والأدوار تسقط، والناس – وإن صمتوا طويلًا – لا تنسى. من صنع قيمته من أسماء غيره، سيسقط حين يُطلب منه أن يقف بإسمه وحده، وحينها لن تنفعه كثرة الأقنعة.
وهكذا، يبقى الخيار واضحًا لا يقبل التأجيل:
إما أن تتكلم بإسمك، وتُحاسَب بوجهك،
أو تتكلم بأسماء غيرك…
وتسقط يومًا بوجهك الحقيقي.

اترك تعليقاً